منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه > الفقه المقارن
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

الموضوع: الفقه المقارن الرد على الموضوع
اسم المستخدم الخاص بك: إضغط هنا لتسجيل الدخول
عنوان الموضوع:
  
نص الموضوع - إذا لم تكن عضواً لن تظهر مشاركتك إلا بعد مراجعتها من قبل المشرفين:
أيقونة المشاركة
يمكنك إختيار أيقونة خاصة بموضوعك من هذه القائمة :
 

الخيارات الإضافية
خيارات متنوعة

إستعراض المشاركات (الأحدث أولاً)
22-03-2017 05:33 PM
عباس محمد س عول الفرائض
اختلف المسلمون في جواز العول وعدمه، وحقيقة العول أن تنقص التركة عن ذوي السهام كأختين وزوج فإذ للأختين الثلثين وللزوج النصف، وقد التبس الأمر فيها على الخليفة الثاني فلم يدر أيهم قدم الله ليقدمه ،وأيهم أخر ليؤخره ،فقضى بتوزيع النقص على الجميع ،لكن أئمة أهل البيت وعلماؤهم عرفوا المقدم عند الله فقدموه، وعرفوا المؤخر فأخروه، وأهل البيت أدرى بالذي فيه.

قال الامام أبو جعفر الباقر عليه السلام: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول على ستة1 لو يبصرون وجهها.

وكان ابن عباس يقول: من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن الله لم يذكر في كتابه نصفين وثلثاً، وقال أيضاً: سبحان الله العظيم أترون أن الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاًَ، هذان

241

النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث ؟ فقال له: يا أبا العباس فمن أول من أعال الفرائض ؟ فقال: لما التفت الفرائض عند عمر ودفع بعضها بعضاً، قال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص، قال ابن عباس: وأيم الله لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله ما عالت الفريضة، فقيل له: أيها قدم الله وأيها أخر، فقال: كل فريضة لم يهبطها الله إلاَّ إلى فريضة، فهذا ما قدم الله وأما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاَّ ما بقي، فتلك التي أخر. قال: فأما التي قدم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء ومثله الزوجة والأم. قال: وأما التي أخر ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن إلاَّ ما بقي. قال: فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدئ بما قدم فأعطي حقه كاملاً فإن بقي شيء كان لما أخر. الحديث أورده شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، قال: وإنما ذكرناه على طوله لاشتماله على أمور مهمة.

قلت: وأخرج الحاكم في كتاب الفرائض ص 340 من الجزء الرابع من المستدرك عن ابن عباس أنه قال: أول من أعال الفرائض عمر، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقيل له: وأيها قدم الله، وأيها أخر، فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عز وجل عن فريضة إلأ إلى فريضة، فهذا ما قدم الله عز وجل كالزوج والزوجة والأم، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلاَّ ما بقي فتلك التي أخر الله عز وجل كالأخوات والبنات، فإذا اجتمع من قدم الله عز وجل ومن أخر بدئ بمن قدم فأعطي حقه كاملاً، فإن بقي شيء كان لمن أخر... (الحديث )2.

242

وعلى هذا، فاذا اجتمع الزوج والأم والبنات بدئ بالزوج والأم فأعطيا فريضتهما الثانية الربع للزوج والسدس للأم كاملين، وأعطي الباقي للبنتين بالسواء، ولو اجتمع الأختان مع هؤلاء لم يكن لهما شيء أصلاً ،لأن مراتب الارث بالنسب عند أئمة أهل البيت وأوليائهم ثلاث:

المرتبة الأولى: الآباء والأمهات دون آبائهم وأمهاتهم، والأبناء والبنات على ما هو مفصل في محله.

المرتبة الثانية: الأخوة والأخوات والأجداد والجدات على ما هو مبين في مظانة من كتب الفقه والحديث.

المرتبة الثالثة: الأعمام والعمات والأخوال والخالات على ما هو مفصل في فقهنا وحديثنا، فلا يرث أحد من المرتبة التالية مع وجود أحد من سابقتها ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾3 هذا مذهب الأئمة من العترة التي جعلها الله ورسوله بمنزلة الكتب إلى يوم الحساب، وعليه اجماع الامامية. فالأختان من أهل المرتبة الثانية كما بيناه، فلا ترثان مع وجود الأم. والله تعالى أعلم.
243

هوامش
1- كان الناس على عهده عليه السلام يفرضون كل شيء ستة أجزاء كل جزء سدس، كما يفرضون اليوم في عرفنا أربعة وعشرين قيراطاً، وعليه فيكون مراده عليه السلام أنكم لو تبصرون وجوه السهام إذا تعارضت لم تتجاوز السهام عن الستة، وحيث أنكم لم تبصروا طرقها فقد تجاوزن عن الستة إذ أنكم تزيدون على الستة بقدر الناقص، مثلاً إذا اجتمع أبوان وبنتان وزوج فللأبوين اثنان من الستة وللبنتين أربعة منها فتمت الستة فتزيدون على الستة واحداً ونصفاً للزوج فتتجاوز السهام من الستة إلى سبعة ونصف. وهذا ممتنع ولا يجوز على الله تعالى أن يفرضه أبداً.
2- قال الحاكم بعد إيراده: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قلت: والذهبي لم يتعقبه إذ أورده في التلخيص إذعاناً بصحته. ولنا حول العول في أجوبة موسى جار الله أبحاث دقيقة فليراجعها كل ولوع بتمحيص الحقيقة.
3- سورة الأنفال، الآية: 75.
22-03-2017 05:32 PM
عباس محمد س عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
شرح البيهقي في شعب الايمان: أن امرأة استفتت عمر فقالت له: وضعت حملي بعد وفاة زوجي قبل انقضاء العدة، فأفتاها بوجوب التربص إلى أبعد الأجلين، فعارضه أبي بن كعب بمحضر من المرأة، وروى له: ان عدتها أن تضع حملها، وأباح لها أن تتزوج قبل الأربعة أشهر والعشر، فلم يقل عمر لها سوى: اني اسمع ما تسمعين1، وعدل عن فتواه متوقفاً، لكنه بعد ذلك وافق أبي بن كعب فقال، بأنها لو وضعت ذا بطنها وزوجها على السرير لم يدفن حلت للأزواج2 وعلى هذا المنهاج سلك أهل المذاهب الأربعة إلى هذه الأيام.

لكنا نحن الامامية وجدنا في القرآن الحكيم آيتين تتعارضان في عدة المتوفي عنها زوجها وهي حبلى، وهما قوله عز من قائل: ﴿وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًاً﴾. فالحبلى المتوفى عنها زوجها إذا أخذت بالآية الاولى حلت للازواج بوضع حملها وان لم تمض المدة المضروبة في الآية الثانية، وإن أخذت بالآية الثانية حلت للازواج بمضي المدة المضروبة فيها وان لم تضع حملها، وعلى كلا

237

الفرضين تكون مخالفة لإحدى الآيتين، ولا يمكنها الأخذ بكلتيهما معاً إلاَّ إذا تربصت إلى أبعد الأجلين، فإذاً لا مندوحة لها عن ذلك، وهذا هو المروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وابن عباس3 وعليه الامامية عملاً بنصوص أئمتهم عليهم السلام.

فصل

اختلف المسلمون في ابتداء عدة الوفاة التي هي أربعة أشهر وعشر، فالذي عليه الجمهور ان ابتداءها إنما هو موت زوجها سواء أعلمت بموته إذا مات أم لم تعلم لغيبته عنها أو لسبب آخر. أما ما نحن عليه من الرأي، والعمل في هذه العدة، فانما ابتداؤها علم الزوجة بوفاة زوجها فلو تأخرعلمها بذلك مهما تأخر فلا تتزوج حتى تمضي عليها - بعد علمها بالوفاة - أربعة أشهر وعشر، وحينئذ تحل للأزواج عملاً بالتربص الذي هو صريح الآية، وأخذاً بالحداد الواجب على المرأة يموت زوجها.

238

اشتراط التوارث بين الأخوة والأخوات أن لا يكون للموروث منهم ولد

قال الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

الآية صريحة في اشتراط التوارث بين الأخوة والأخوات، أن لا يكون للموروث منهم ولد، والبنت ولد لغة وعرفاً4.

لكن عمر بن الخطاب حمل الولد في الآية على الذكر خاصة فواسى في الميراث بين بنت الميت وأخته لأبيه وأمه، فجعل لكل منهما النصف مما ترك، وتبعه في ذلك أهل المذاهب الأربعة.

أما أئمة العترة الطاهرة وأولياؤهم الامامية فقد أجمعوا بأن لا حق للأخوة وسائر العصبة مطلقاً مع وجود الولد ذكراً كان أم أنثى متعدداً كان أم منفرداً محتجين بهذه الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾5 ولهم في سقوط العصبة مع وجود الولد ولو كان بنتاً واحدة، لهجة شديدة يعرفها من راجع نصوصهم في المواريث،

239

ودونه كتاب وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة وسائر مسانيدهم.

وقد سئل ابن عباس عن رجل توفي وترك بنته وأخته لأبيه وأمه فقال: ليس لأخته شيء والبنت تأخذ النصف فرضاً والباقي تأخذه رداً. قال السائل: فان عمر قضى بغير ذلك. فقال ابن عباس: أأنتم أعلم أم الله ؟ قال السائل: ما أدري وجه هذا حتى سألت ابن طاووس فذكرت له قول ابن عباس، فقال: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله عز وجل: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، فقلتم أنتم: لها نصف ما ترك وإن كان لها ولد6.
240

هوامش
1- وهذا الحديث هو الحديث 3376 في ص 166من ج 5 من كنز العمال فراجع.
2- هذه الفتوى أخرجنا عنه بالاسناد اليه كل من البيهقي وابن أبي شيبة في سننهما وهي الحديث 3379 في ص 166 من الجزء الخامس من الكنز.
3- رواه عنهما الزمخشري في الكشاف فراجع منه تفسير قوله تعالى {وأولات الاحمال جلهن أن يضمه حملهن} من سورة الطلاق وهذا مذهب أهل البيت عليهم السلام وهو الأحوط.
4- ومعاجم اللغة كلها تشهد بذلك، وحسبك {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} وبشر بعض العرب ببنت فقال: والله ما في بنعم الولد.
5- سورة الأنفال:75.
6- أخرج هذا الحديث جماعة من حفظة السنن ومو موجود في كتاب الفرائض ص 339من الجزء الرابع من مستدرك الحاكم، وقد صرح ثمة بانه صحيح على شرط الشيخين، واورده الذهبي في تلخيص المستدرك حاكماً بصحته على شرطهما ايضاً فراجع.


يتبع
22-03-2017 05:31 PM
عباس محمد س الإشهاد على الطلاق
ومما انفردت به الإمامية، القول: بأن شهادة عدلين شرط في وقوع اطلاق، ومتى فقد لم يقع الطلاق وخالف باقي الفقهاء في ذلك1.

وقال الشيخ الطوسي: كل طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط، فإن لا يقع. وخالف جميع الفقهاء ولم يعتبر أحد منهم الشهادة2.

ولا تجد عنواناً للبحث في الكتب الفقهية لأهل السنة وإنما تقف على آرائهم في كتب التفسير عند تفسير قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ...﴾3. وهم بين من يجعلونه قيداً للطلاق والرجعة، ومن يخصه قيداً للرجعة المستفادة من قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.

روى الطبري عن السدي أنه فسر قوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ تارة بالرجعة وقال: أشهدوا على الامساك إن أمسكتموهن وذلك هو الرجعة، وأخرى بها وبالطلاق وقال: عند الطلاق وعند المراجعة.

227

ونقل عن ابن عباس: أنه فسرها بالطلاق والرجعة4

وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.

وسئل عمران بن حصين عن رجل طلق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال: بس ما صنع طلق في بدعة وارتجع في غير سنة فليشد على طلاقه ومراجعته وليستغفر الله5.

قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ أمرنا بالاشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثم الاشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وعند الشافعي واجب في الرجعة6.

وقال الآلوسي ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبرياً عن الريبة7.

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.

وممن أصحر بالحقيقة عالمان جليلان: أحمد محمد شاكر القاضي المصري، والشيخ أبو زهرة. قال الأول بعد ما نقل الآيتين من أول سورة الطلاق: والظاهر من سياق الآيتين أن قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾ راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معاً والأمر للوجوب، لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب - إلاَّ بقرينة ولا قرينة هنا تصرفه عن

228

الوجوب، بل القرائن ما تؤيد حمله على الوجوب - إلى أن قال-: فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حدود الله الذي حده له فوقع عمله باطلاً، لا يترتب عليه أي أثر من أثاره - إلى أن قال: - وذهب الشيعة الى وجوب الاشهاد في الطلاق والله ركن من أركانه، ولم يوجبووه في الرجعة، والتفريق بينهما غريب لا دليل عليه 8.

وقال أبو زهرة: قال فقها، الشيعة الإمامية الاثني عشرية والإسماعيلية: إن الطلاق لا يقع من غير اشهاد عدلين: لقوله تعالى (في أحكام الطلاق وانشائه في سورة الطلاق): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ...﴾ فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر اشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وإن تعليل الاشهاد بانه يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يرشح ذلك ويقويه، لأن حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها الى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه وتعالى.

وأنه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين9.

وهذه النصوص تعرب عن كون القوم بين من يقول برجوع الاشهاد الى الرجعة وحدها وبين من يقول برجوعه إليها وإلى اطلاق، ولم يقل

229

أحد برجوعه الى الطلاق وحده إلاّ ما عرفته من كلام أبي زهرة. وعلى ذلك فاللازم علينا بعد نقل النص، التدبر والاهتداء بكتاب الله إلى حكمه.

قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾10.

إن المراد من بلوغهن أجلهن: اقترابهن من آخر زمان العدة واشرافهن عليه، والمراد بامساكهن: الرجوع على سبيل الاستعارة، كما أن المراد بمفارقتهن: تركهن ليخرجن من العدة ويبن.

لا شك أن قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع ولا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل، إنما الكلام في متعلقه. فهناك احتمالات ثلاث:

ا - أن يكون قيداً لقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
2- أن يكون قيداً لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
3- أن يكون قيداً لقوله: ﴿وْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.

لم يقل أحد برجوع القيد الى الأخير فالأمر يدور بين رجوعه إلى الأول أو الثاني، فالظاهر رجوعه إلى الأول وذلك لأن السورة بصدد بيان

230

أحكام الطلاق، وقد افتتحت بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ فذكرت للطلاق عدة أحكام:

1- أن يكون الطلاق لعدتهن.
2- احصاء العدة.
3- عدم خروجهن من بيوتهن.
4- خيار الزوج بين الامساك والمفارقة عند اقتراب عدتهن من الانتهاء.
5- اشهاد ذوي عدل منكم.
6- عدة المسترابة.
7- عدة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.
8- عدة أولات الأحمال.

وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أولها إلى الآية السابعة تجد أنها بصدد بيان أحكام الطلاق لأنه المقصود لأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقد ذكر تبعاً.

وهذا هو المروى عن أئمتنا عليهم السلام روى محمد بن مسلم قال: "قدم رجل الى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة فقال: إني طلقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أجامعها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك الله؟ فقال: لا، فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشيء"11.

231

وروى بكر بن أعين عن الصادقين ‘أنهما قالا: "وإن طلقها في استقبال عدتها طاهراً من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين ،فليس طلاقه إياها بطلاق"12.

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال لأبي يوسف: "إن الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إن الله أمر في في كتابه بالطلاق وأكد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلآ عدلين، وأمر في كتابه التزويج وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل الله، وأبطلتم شاهدين فيما أكد الله عز وجل، وأجزتم طلاق المجون والسكران، ثم ذكرحكم تظلل المحرم"13.

قال الطبرسي: قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدة ولا الرجل الطلاق. وقيل: معناه وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام وهذا أليق بالظاهر، لأنا إذا حملناه على الطلاق كان أمراً يقتضي الوجوب وهو من شرائط الطلاق، ومن قال: إن ذلك راجع إلى المراجعة، حمله على الندب 14.

ثم إن الشيخ أحمد محمد شاكر، القاضي الشرعي بمصر كتب كتاباً حول "نظام الطلاق في الإسلام" وأهدى نسخة منه مشفوعة بكتاب إلى العلامة الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكتب إليه: إنني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وانه إذا حصل الطلاق في غير

232

حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به، وهذا القول وإن كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلاّ أنه يؤيده الدليل ويوافق مذهب الأئمة أهل البيت والشيعة الإمامية. وذهبت أيضاً إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت15 من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل له: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ واحد فيها.

وأجاب العلامة كاشف الغطاء في رسالة إليه بين وجه التفريق بينهما وإليك نص ما يهمنا من الرسالة: قال بعد كلام: "وكأتك - أنار الله برهانك - لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من الامعان في غير هذا المقام، وإلا لما كان يخفى عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى أنها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة أي لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم احصاء العدة، وعدم اخراجهن من البيوت ،ثم استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق حيث قال مز شأنه: ﴿إِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي إذا أشرفن على الخروج من العدة ،فلكم امساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة. ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ أي في الطلاق الذي سيق الكلام كله لبيان أحكامه ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلاّ تبعاً واستطراداً، ألا ترى لو

233

قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه واكرامه وأن تستقبله سواء جاء وحده أومع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فإنك لا تفهم من هذا الكلام إلاّ وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخرا عنه، وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريت العربية لولا الغفلة (وللغفلات تعرض للاريب)، هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة.

وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها. وهو أن من المعلوم انه ما من حلال أبغض إلى الله سبحانه من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون - جمعي اجتماعي - لا يرغب في أي نوع من أنوع الفرقة لا سيما في العائلة والأسرة، وعلى الأخص في الزيجة بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى.

فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أن الشيء إذا كثرت قيوده عز أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً،وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الالفة كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ً﴾ وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شك أنها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الأخر، وهذا كله بعكس قضية الرجوع فإن الشارع يريد التعجيل به ولعل للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط.

234

وتصح عندنا معشر الإمامية - بكل ما دل عليها من قول أو فعل أو إشارة - لا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في ألفتهم وعدم تفرقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي - أي المطلقة الرجعية - عندما معشر الامامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوج بأختها، وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية"16 17.
235

هوامش
1- المرتضى: الانتصار: 127-128.
2- الطوسى: الخلاف: 2، كتاب الطلاق المسألة 5.
3- سورة الطلاق، الآية: 2.
4- الطبري: جامع البيان: 28/ 88.
5- السيوطي: الدر المنثور: 6/ 232، وعمران بن حصين من كبار أصحاب الإمام علي عليه السلام
6- القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 18/ 157.
7- الآلوسي: روح المعاني: 28/ 134.
8- أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الإسلام: 118 - 119.
9- أبو زهرة: الأحوال الشخصية: 365كما في الفقه على المذاهب الخمسة: ا 17(والآية 2-3 من سورة الطلاق).
10- سورة: الطلاق، الآية: ا - 2.
11- الوسائل: ج 15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7و3و12ولاحظ بقية أحاديث الباب.
12- المصدر نفسه.
13- المصدر نفسه.
14- مجمع البيان: 5/ 306.
15- مر نص كلامه حيث قال: والتفريق بينهما غريب.
16- أصل الشيعة وأصولها: 163 - 165، الطبعة الثانية.
17- أخذنا هذا البحث من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة للشيخ جعفر السبحاني.


يتبع
22-03-2017 05:31 PM
عباس محمد س الطلاق وما أحدثوا فيه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وذلك أن الطلاق الثلاث الذي لا تحل المطلقة بعده لمطلقها إلاَّ بالمحلل الشرعي المعروف، إنما هو الطلاق الثالث، المسبوق برجعتين مسبوقتين بطلاقين، وذلك بأن يطلقها أولاً ثم يرجعها، ثم يطلقها ثانياً ثم يرجعها، ثم يطلقها ثالثأ وحينئذ لا تحل له حتى تأتي بالمحلل المعلوم. هذا هو الطلاق الثلاث الذي لا تحل المطلقة بعد لمطلقها حتى تنكح زوجاًغيره، وبه جاء التنزيل: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...﴾1 إلى أن قال عز من قائل: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾2.

وإليك ما قاله أئمة العربية في تفسيرها، واللفظ للزمخشري في كشافه جعله كشرح مزجي، قال: ﴿الطَّلاَقُ﴾ بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم ﴿مَرَّتَانِ﴾ أي التطليق ألشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والارسال دفعة واحدة. ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن أراد التكرير كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾3 أي كرة بعد كرة. إلى أن قال: وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ تخيير لهم - بعد أن علمهم كيف يطلقون - بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة

221

والقيام بواجبهن، وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذي لهن عليهم. قال: وقيل معناه الطلاق الرجعي مرتان - مرة بعد مرة - لأنه لا رجعة بعد الثلاث.. إلى أن قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَ﴾ الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ واستوفى نصابه أو فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ أي بعد ذلك التطليق ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾... الخ.

قلت: هذا هو معنى الآية وهو المتبادر مها إلى الأذهان وبه فسرها المفسرون كافة، ولا يمكن أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ متناولاَ لقول القائل لزوجته (أنت طالق ثلاثاً) إلاَّ أن يكون قبل ذلك قد تكرر منه طلاقها مرتين بعد كل مرة منهما رجعة كما لا يخفى.

لكن عمر رأى أيام خلافته تهافت الرجال على طلاق أزواجهم ثلاثاً بانشاء واحد فألزمهم بما ألزموا به أنفسهم عقوبة أو تأديباً، والسنن صريحة في نسبة ذلك اليه.

وحسبك منها ما عن طاووس من أن أبا الصهباء قال لابن عباس:هات من هناتك ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأبي بكر واحدة ؟ فقال: قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. انتهى بلفظ مسلم في صحيحه4.

وعن ابن عباس من عدة طرق كلها صحيحة، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث

222

واحدة، فقال عمر بن الخطاب: أن الناس قد استعجلوا في أمر قد كان لهم فيه أناة، فلو أمضياه عليهم، فأمعناه عليهم. انتهى بلفظ مسلم في صحيحه5.

وأخرجه الحاكم في مستدركه مصرحاً بصحته على شرط الشيخين ،وأورده الذهبي في تلخيص المستدرك معترفاً بصحته على شرطهما أيضا6.

وأخرجه الامام أحمد من حديث ابن عباس في مسنده7.ورواه غير واحد من أصحاب السنن وإثبات السنن8.

ونقله العلامة الشيخ رشيد رضا في ص 210 من المجلد الرابع من مجلته " المنار" عن كل من أبي داود والنسائي والحاكم والبيهقي، ثم قال - ما هذا لفظه -: ومن قضاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخلافه ما أخرجه البيهقي عن ابن عباس9 قال: طلق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: طلقها؟ قال: ثلاثاً. قال صلى الله عليه وآله وسلم: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت.

وأخرج النسائي من رواية مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً

223

فقام صلى الله عليه وآله وسلم غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ! حتى قام رجل، فقال يارسول الله ألا تقتله10؟ إلى آخر ما جاء من السنن الصحيحة صريحاً في ذلك، ولذا ترى علماء الاسلام واثباتهم يرسلونه إرسال المسلمات.

وحسبك منهم الاستاذ الكبير خالد محمد خالد المصري المعاصروقد قال في كتابه" الديمقراطية": ترك عمر بن الخطاب النصوص الدينية المقدسة من القرآن والسنة عندما دعته المصلحة لذلك، فبينا يقسم القرآن للمؤلفة قلوبهم حظاً من الزكاة ويؤديه الرسول وأبو بكر، يأتي عمر فيقول لا نعطي على الاسلام شيئاً، وبينا يجيز الرسول وأبو بكر بيع أمهات الأولاد يأتي عمر فيحرم بيعهن، وبينا الطلاق الثلاث في مجلس واحد يقع واحداً بحكم السنة والاجماع، جاء عمر فترك السنة وحطم الاجماع.

هذا كلامه بعين لفظه فراجعه في ص150 من (ديمقراطيته).

وقال الاستاذ الدكتور الدواليبي - حيث ذكر عمر وايقاعه الطلاق الثلاث بكلمة واحدة في كتابه أصول الفقه11 ما هذا لفظه: «ومما أحدثه عمر رضي الله عنه تاييداً لقاعدة تفسير الأحكام بتغيير الزمان، هو ايقاعه الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، مع أن المطلق في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمن خليفته أبي بكر وصدراً من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة كما ثبت ذلك في الخبر الصحيح عن ابن عباس، وقد

224

قال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.

قال: وقال ابن القيم الجوزية في ذلك: ولكن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رأى أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم ايقاعه جملة واحدة فرأى من المصلحة عقوبتهم بامضائه عليهم فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق، فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه ورأى أن ما كان عليه في عهد النبي وعهد الصديق وصدراً من خلافته كان الأليق بهم لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق.. إلى أن قال: فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان12.

قال: وعلم الصحابة حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به13 وصرحوا لمن استفتاهم بذلك14. قال: غير أن ابن القيم نفسه جاء فأبدى ملاحظته بالنسبة لزمنه، رغبة في الرجوع بالحكم إلى ما كان عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن الزمن قد تغير أيضاً، وأصبح إيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة مدعاة لفتح باب التحليل الذي كان مسدوداً على عهد الصحابة15 وقال: بأن العقوبة إذا تضمنت مفسدة أكثر

225

من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحب إلى الله ورسوله16.

قال: وقال ابن تيمية: ولو رأى عمر رضي الله عنه عبث المسلمين في تحليل المبانة لمطلقها ثلاثاً لعاد الى ما كان عليه الأمر في عهد الرسول.
قال: وإن ما أبداه ابن تيمية من الملاحظات القيمة قد كان مدعاة لعودة المحاكم الشرعية في مصر الآن إلى ما كان عليه الحكم في عهد الرسول عملاً بقاعدة تغير الأزمان17.
226

هوامش
1- سورة البقرة، الآية: 229.
2- سورة البقرة، الآية: 230.
3- سورة الملك، الآية: 4.
4- في باب طلاق الثلاث هن كتاب الطلاق ص 575 من الجزء الأول من صحيحه. وأخرجه البيهقي ص 336 من الجزء السابع من سننه، وأبو داود في كتاب الطلاق من السنن فراجع منه الحديث الأخير من باب نسخ المراجعة بعد الثلاث تطليقات.
5- في باب طلاق الثلاث من كتاب الطلاق من جزئه الأول.
6- راجع من كل من المستدرك وتلخيصه كتاب الطلاق ص 196 من الجزء الثاني فإن هذين الكتابين مطبوعان معاً وصحائفهما متحدة.
7- راجع من المسند ص 314من جزئه الأول.
8- كالبيهقي ص 336 من الجز، السابع من سننه، والقرطبي في الجزء الثالث ص 130 من تفسيره جازماً بصحته وغير هؤلاء من أمثالهم.
9- ذكره ابن اسحاق في ص 191 من الجزء الثاني من سيرته.
10- وقد نقله قاسم بك أمين المصري ص 172 من كتابه - تحرير المرأة -عن النسائي والقرطبي والزيلعي لكن بالاسناد الى ابن عباس، وربما دل هذا الحديث على فساد الطلاق الثلاث بالمرة لكونه لعبأ. وبذلك قال سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين، لكن الصواب أن اللعب انما هو في قول ثلاثاً فيلغي، وأما قوله أنت طالق يؤثر أثره لأنه جد لا لعب فيه.
11- فراجع منه آخر ص 346والتي بعدها.
12- سبحانك اللهم إذا صح للمجتهدين تغيير أمثال هذه الفتوى بتغيير الزمان حتى في هذه الفترة الوجيزة الكائنة بين خلافة الخليفتين، فعلى أحكام الكتاب والسنة ونصوصهما السلام. وي. وي. ما أفظ هذا الخطر إذا بنى المجتهدون على مثل هذه القاعدة التي ما أنزل الله بها من سلطان.
13- هذا مما لا دليل عليه، بل الأدلة قائمة على خلافه.
14- قل هاتوا برهانكم.
15- لم يكن في الزمن تغير ولا تغير الزمن يوجب تغير الحكم الشرعي المنصوص عليه في الكتاب والسنة وانما عمل ابن القيم به علمأ منه أنه حكم الله تعالى.
16- سبحاك الله ما هذا اللاعب.
17- بل عملاً بنص الكتاب وصريح السنة.




يتبع
22-03-2017 05:30 PM
عباس محمد س تزويج زوجة المفقود
قال الفاضل الدواليبي1: وكذلك اجتهد عمر في زوجة المفقود حيث حكم بأن لزوجة المفقود بعد أن يمضي أربع سنوات على فقدانه أن تتزوج بعد أن تقضي عدتها، وإن لم يثبت موت زوجها، وذلك دفعاً لضرر بقاء الزوجة مطلقة مدى العمر.
قال: وبذلك أخذ الامام مالك خلافاً لمذهب الحنفية والشافعية الذين قالوا ببقاء الزوجة في عصمة زوجها المفقود حتى تثبت وفاته آو تموت أقرانه، لان الأصل النظري في ذلك اعتبار الاستمرار في حياته حتى يقوم دليل على اتقطاعها.
قال: غير أن عمر رضي الله عنه أجدر بالاعتبار لما فيه من دفع ضرر ظاهر عن زوجة المفقود، وفيه كما نرى اطلاق النكاح لها خلافاً لظواهر نصوص الشريعة التي أخذ بها بقية الأئمة.
قال: وما هذا إلا تغيير للاحكام تبعاً للأحوال، وذلك تقدير لظروف خاصة لا بد من تقديرها دفعاً للضرر والحرج، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لاضرر ولا ضرار. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿... هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ...﴾2، قال: وليس ذلك فى الحقيقة تعطيل للنصوص بل إعمال لها على ضوء المصلحة والظروف، انتهى بلفظه.
219
قلت أما نحن الامامية فان لدينا عن أئمة العترة الطاهرة نصوصاً تحكم على الأصل النظري في ذلك، لتريحها بأن المفقود إذا جهل خبره، وكان لزوجته من ينفق عليها، وجب عليها التربص إلى أن يحضر، أو تثبت وفاته، أو ما يقوم مقامهما. وإن لم يكن ثمة من ينفق عليها فلها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، فإن فعلت بحث الحاكم عن أمره أربع سنين من حين رفع أمرها إليه، في الجهة التي فقد فيها إن كان معينة وإلاَّ ففي الجهات الأربع، ثم يطلقها الحاكم نفسه، أو يأمر الولي، والأحوط تقديم أمر الولي به فإن امتنع طلق الحاكم لأنه مدلول الأخبار الصحيحة، وإنما يصح هذا الطلاق بعد المدة، ورجوع الرسل أو ما في حكمه، وتعتد بعده عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وتحل بعد العدة للزواج، فإن جاء المفقود في العدة فهو أملك بها، وإلاَّ فلا سبيل له عليها، سواء أوجدها قد تزوجت أم لا. هذا مذهب الامامية في المسألة تبعاً لأئمتهم عليهم السلام.
220
هوامش
1- في ص241والتي بعدها من كتابه أصول الفقه.
2- سورة الحج، الآية: 78.
يتبع
22-03-2017 05:29 PM
عباس محمد س نكاح المتعة وفيه فصول
1 - حقيقته هذا نكاح

إنما حقيقته أن تزوجك المرأة الحرة الكاملة المسلمة أو الكتابية نفسها، حيث لا يكون لك مانع في دين الإسلام عن نكاحها، من نسب أوسبب أو رضاع أو احصان أو عدة، أو غير ذلك من الموانع الشرعية،ككونها معقوداً عليها لأحد آبائك، وإن كان قد طلقها أو مات عنها قبل الدخول بها، وككونها أختاً لزوجتك مثلاً أو نحو ذلك.

تزوجك هذه المرأة نفسها بمهر مسمى إلى أجل مسمى، بعقد نكاح جامع لشرائط الصحة الشرعية، فاقد لكل مانع شرعي كما سمعت فتقول لك بعد تبادل الرضا والاتفاق بينكما: زوجتك أو أنكحتك أو متعتك نفسي بمهر قدره كذا يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين مثلاً، أو تذكر مدة أخرى معينة على الضبط فتقول أنت لها على الفور: قبلت، وتجوز الوكالة في هذا العقد من كلا الزوجين كغيره من العقود،وبتمامه تكون زوجة لك، وأنت تكون زوجاً لها، إلى منتهى الأجل المسمى في العقد، وبمجرد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة، وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدة المعينة لا بالطلاق- عملاً بنصوص خاصة

205

حاكمة بذلك، ويجب عليها مع الدخول بها1 أن تعتد بعد هبة المدة أو انقضائها بقرأين، إذا كانت ممن تحيض، وإلاَّ فبخمسة وأربعين يومأ كالأمة، عملاً بأدلة خاصة تحكم بذلك.

فإذا وهبها المدة أو انقضت قبل أن يمسها فما له عليها من عدة،كالمطلقة قبل المس2 وأولات الاحمال في المتعة أجلهن أن يضعن حملهن كالمطلقات، أما عد ة المتوفى عنها زوجها في نكاح المتعة فهي عدة المتوفى عنها زوجها في النكاح الدائم مطلقاً3.

وولد المتعة ذكراً كان أو أنثى يلحق بأبيه ولا يدعى إلاَّ له كغيره من الأبناء والبنات، وله من الارث ما أوصانا الله به سبحانه بقوله عز من قائل: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ... ﴾4 ولا فرق بين ولديك المولود أحدهما منها والآخر من النكاح الدائم، وجميع العموميات الشرعية الواردة في الأبناء والآباء والأمهات شاملة لأبنا، المتعة وآبائهم وأمهاتهم، وكذا القول في العمومات الواردة من الأخوة والأخوات وأبنائهما، والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأبنائهم ﴿... وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ ...﴾5 مطلقاً.

نعم نكاح المتعة بمجرده لا يوجب توارثاً بين الزوجين ولا ليلة، ولا

206

نفقة للتمتع بها، وللزوج أن يعزل عنها، عملاً بأدلة خاصة العمومات الواردة في هذه الأمور من أحكام الزوجات.

هذا نكاح المتعة بكنهه وهذه متعة النساء بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بيننا وبين الجمهور.

2 - جماع الأمه على اشتراعه

أجمع أهل القبلة كافة على أن الله تعالى شرع هذا النكاح في دين الاسلام، وهذا القدر مما لا ريب فيه لأحد من علماء المذاهب الإسلامية على اختلافهم في المشارب والمذاهب والآراء، بل لعل هذا ملحق - عند أهل العلم - بالضروريات مما ثبت عن سيد النبيين صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينكره أحد من علما، أمته، ومن ألم بما يقوله أهل المذاهب الإسلامية كلهم في حكم هذا النكاح مستقرئاً فقه الجميع، علم أنهم متصافقون على أصل مشروعيته وإنما يدعون نسخه كما ستسمعه إن شاء الله تعالى.

3- دلالة الكتاب على اشتراعه

حسبنا حجة على اشتراعه: قوله تعالى في سورة النساء: ﴿... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ...﴾6 إذ أجمع أئمة أهل البيت وأولياؤهم على نزولها في نكاح المتعة، وكان أبي بن كعب، وابن عباس وسعيد بن جبير، والسدي، يقرأونها: ﴿فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى﴾7 وصرح عمران بن حصين الصحابي بنزول هذه الآية في

207

المتعة، وأنها لم تنسخ حتى قال رجل برأيه ما شاء8، ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد أيضاً فيما أخرجه عنه الطبري في تفسيره الكبير9.

ويشهد لذلك أن الله سبحانه قد أبان في أوائل السورة حكم النكاح الدائم بقوله عز من قائل: ﴿... فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ...﴾10 إلى أن قال: ﴿وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ...﴾11 فلو كانت هذه الآية في بيان "الدائم" أيضا للزم التكرار في سورة واحدة، أما إذا كانت لبيان المتعة فإنها تكون لبيان معنى جديد، وأولو الألباب ممن تدبروا القرآن الحكيم علموا أن سورة النساء قد اشتملت على بيان الأنكحة الإسلامية كلها، فالدائم وملك اليمين تبينا بقوله تعالى: ﴿... فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾12 ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ...﴾13 إلى أن قال: ﴿...فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ

208

وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...﴾14 والمتعة مبينة بآيتها هذه ﴿... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...﴾

4- اشتراعه بنصوص السنن

حسبنا من السنة في هذا الباب: صحاح متواترة عن أئمة العترة الطاهرة عليهم السلام وقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في اشتراع هذا النكاح صحاحاً كثيرة عن كل من سلمة بن الأكوع، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وأبي ذر الغفاري، وعمران بن حصين، والأكوع بن عبد الله الأسلمي، وسبرة بن معبد، وأخرجها أحمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلهم ومن حديث عمر، وحديث ابنه عبد الله، وأخرج مسلم في باب نكاح المتعة من كتاب النكاح من الجزء الأول من صحيحه عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ان رسول الله أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء، انتهى بلفظه. والصحاح في هذا المعنى أكثر من أن تستقصى في هذا الاملاء.

5- القائلون بنسخه وحجتهم والنظر فيها

قال أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من فقهاء الجمهور بنسخ هذا النكاح وتحريمه محتجين بأحاديث أخرجها الشيخان في صحيحيهما، وقد أمعنا فيها متجردين متحررين فوجدنا فيها من التعارض في وقت صدور النسخ ما لا يمكن الوثوق بها، فإن بعضها صريح بأن النسخ كان يوم خيبر، وفي بعضها أنه كان يوم الفتح، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وفي بعضها أنه كان في حجة الوداع، وفي بعضها أنه كان في

209

عمرة القضاء، وفي بعضها أنه كان عام أوطاس، على أنها تناقض ما ستسمعه من صحاح البخاري ومسلم الدالة على عدم النسخ، وأن التحريم والنهي إنما كانا من الخليفة الثاني ببادرة بدرت على عهده من عمرو بن حريث، وكان الصحابة قبلها يستمتعون على عهد الخليفتين، كما كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وستسمع كلام عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأمير المؤمنين فتواه صريحاً بأن التحريم لم يكن من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان بنهي عمر، ومحال أن يكون هناك ناسخ يجهله هؤلاء وهم من علمت مكانتهم في العلم ومنزلتهم من رسول الله وملازمتهم إياه صلى الله عليه وآله وسلم. على أنه لو كان ثمة ناسخ لنبههم إليه بعض الواقفين عليه، وحيث لم يعارضهم أحد فيما كانوا ينسبونه من التحريم إلى عمر نفسه، علمنا أنهم أجمع معترفون بذلك، مقرون بأن لا ناسخ من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

على أن الخليفة الثاني نفسه لم يدع النسخ كما ستسمعه من كلامه الصريح في اسناد التحريم والنهي إلى نفسه، ولو كان هناك ناسخ من الله عز وجل أو من رسوله لأسند التحريم إلى الله تعالى أو إلى الرسول، فإن ذلك أبلغ في الزجر وأولى بالذكر.

وظني أن المتأخرين عن زمن الصحابة وضعوا أحاديث النسخ تصحيحا لرأي الخليفة، إذ تأول الأدلة فنهى وحرم متوعدا بالعقوبة، فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء.

ومن غريب الأمور دعوى بعض المتأخرين أن نكاح المتعة منسوخ

210

بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾15 بزعم أن المتمتع بها ليست زوجة ولا ملك يمين، قالوا: أما كونها ليست بملك يمين فمسلم، وأما كونها ليست بزوجة فلأنها لا نفقة لها ولا إرث ولا ليلة.

والجواب: أنها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي كما سمعت، وعدم النفقة والارث والليلة فإنما هو لأدلة خاصة خصصت العمومات الواردة في أحكام الزوجات كما بيناه سابقاً.

على أن هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق، فلا يمكن أن تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع.

ومن عجيب أمر هؤلاء المتكلفين أن يقولوا بأن آية "المؤمنون" ناسخة لمتعة النساء، إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين، فإذا قلنا لهم: ولم لا تكون ناسخة لنكاح الإماء المملوكات لغير الناكح وهن لسن بزوجات للناكح ولا بملك له، قالوا حينئذ: إن سورة "المؤمنون" مكية، ونكاح الاماء المذكورات إنما شرع بقوله تعالى في سورة النساء وهي مدنية: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾16 والمكي لا يكون ناسخاً للمدني، لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ، يقولون هذا القول وينسون أن المتعة إنما شرعت في المدينة، وأن آيتها في سورة النساء أيضا، وقد منينا بقوم لا يتدبرون فإنا لله وإنا إليه راجعون.

211

6- صحاح تنم على الخليفة

أخرج مسلم - في باب المتعة بالحج والعمرة من صححه17 -بالاسناد إلى أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكر ذلك لجابر، فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قام عمر18 قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاءفأتموا الحج والعمرة وأبنوا نكاح هذه النساء فلو أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلآ رجمته بالحجارة 19.

وهذا ما أخرجه أحمد بن حنبل من حديث عمر في مسنده20 عن أبي نضرة أيضاً، ولفظه عنده ما يلي: قال أبو نضرة: قلت لجابر: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وان ابن عباس يأمر بها، فقال لي: على يدي جرى الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع أبي بكر، فلما ولي عمر21 خطب الناس فقال: ان القرآن هو القرآن، وان رسول الله هو الرسول، وانهما

212

كانتا " متعتان " على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء22.

وهذا صريح فصحيح في أن النهي إنما كان منه بعد ولايته وقيامه بأمر الخلافة.

ومثله حديث عطا ء، فيما أخرجه مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه23 - قال: قدم جابر بن عبد الله معتمراً، فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكروا المتعة، فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر.

وحديث أبي الزبير - كما في الباب المذكور من صحيح مسلم - قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع24 بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.

وفي الباب المذكور من صحيح مسلم أيضاً عن أبي نضرة. قال: كنت عند جابر فأتاه آت فقال: ان ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر: فعلناهم25 على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نهانا عنهما عمر.

وقد استفاض قول عمر على المنبر: متعتان كانتا على عهد

213

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما26، متعة الحج ومتعة النساء. حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجاً به على تحريم متعة النساء، فراجع ما حول آيتها من تفسيره الكبير.

وهذا متكلم الأشاعرة وأمامهم في المعقول والمنقول (القوشجي) يقول في أواخر مبحث الإمامة من سفره الجليل - شرح التجريد -: إن عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهي عنهن وأحرفهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل، وقد اعتذر عنه بأنه هذا كان اجتهاداً منه وعن تأول، والأخبار في هذا ونحوه مما يضيق عنه وسع هذا الاملاء.

وقد استمتع على عهد عمر ربيعة بن أمية بن خلف الثقفي أخو صفوان فيما أخرجه مالك - في باب نكاح المتعة من الموطأ - عن عروة الزبير قال: ان خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر وقالت له: إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر يجر رداءه فقال: هذه المتعة لو كنت تقدمت لرجمت. أي لو كنت تقدمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا الوقت لرجمت ربيعة والمرأة التي استمتع بها، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها، نص على ذلك ابن عبد البر فيما نقله الزرقاني عنه في شرح الموطأ27 ولا يخفى ظهور هذا الكلام في أن التصرف في حكم المتعة إنما هو منه لا من سواه.

7- المنكرون عليه

أنكر عليه علي أمير المؤمنين ع 15 ند بلوغهما إلى آية المتعة من

214

تفسيريهما الكبيرين، إذ أخرجا بالاسناد إليه أنه قال: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاَّ شقي.

وأنكر عليه ابن عباس نقال28: ما كانت المتعة إلاَّ رحمة رحم الله بها أمة محمد لولا نهيه - أي عمر - عنها ما احتاج إلى الزنى إلا شقي – أي قليل من الناس - كما فسرها ابن الأثير في مادة شفى بالفاء من النهاية، وكان ابن عباس يجاهر بإباحتها، وله في ذلك مع ابن الزبير- حتى في أيام إمارته -حكايات هول المقام بذكرها29.

وأنكر عليه جابر كما سمعت من حديثه في ذلك.

وأنكر عليه ابنه عبد الله كما هو ثابت عنه، وقد أخرج الامام أحمد في ص 95من الجزء الثاني من مسنده من حديث عبد الله بن عمر قال – وقد سئل عن متعة النساء -: والله ما كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زانين ولا مسافحين. ثم قال: والله لقد سمعت رسول الله يقول: ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال وكذابون ثلاثون أو أكثر.

وسئل مرة أخرى عن متعة النساء فقال - كما عن صحيح الترمذي30-: هي حلال. فقيل له: إن أباك نهى عنها. فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنترك السنة ونتبع قول أبي؟!

وأنكر عليه عبد الله بن مسعود كما هو معلوم عنه، وقد أخرج

215

الشيخان في صحيحيهما واللفظ للبخاري31 عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين، ثم قرأ علينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾32. وأنت تعلم ما في تلاوة الآية من الإنكار الشديد على تحريمها كما صر ح بها شارحو الصحيحين.

وأنكر عليه عمران بن حصين فيما استفاض عنه، وقد نقل الرازي33 عنه أنه قال: أنزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء. قال الرازي: يريد عمر.

وأخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين قال: نزلت أية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات، ثم قال رجل برأيه ما شاء.

وأخرج أحمد في مسنده، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، وعملنا بها مع رسول الله، فلم تنزل آية بنسخها، ولم ينه عنها النبي حتى مات.

وأمر المأمون أيام خلافته أن ينادي بتحليل المتعة، فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء فوجداه يستاك ويقول - فيما نقله ابن

216

خلكان –34 وهو متغيظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. قال: ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر، فأراد محمد بن منصور أن يكلمه، فأومأ إليه أبو العيناء وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن ؟ ! فلم يكلماه، ودخل عليه يحيى بن أكثم فخلا به وخوفه من الفتنة وذكر له أن الناس يرونه قد أحدث في الاسلام بهذا النداء حدثاً عظيماً يثير العامة والخاصة، إذ لا فرق عندهم بين النداء بإباحة المتعة والنداء بإباحة الزنى، ولم يزل به حتى صرف عزيمته إشفاقاً على ملكه ونفسه.

وممن استنكر حرمة المتعة وأباحها وعمل بها عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو خالد المكي المولود سنة ثمانين والمتوفي سنة تسع وأربعين ومائة وكان من أعلام التابعين، ترجمه ابن خلكان في وفياته، وابن سعد في ص 361 من الجزء 5 من طبقاته، وقد احتج به أهل الصحاح وترجمه ابن القيسراني في ص 14 3من كتابه (الجمع بين رجال الصحيحين) وأورده الذهبي في ميزانه فذكر أنه تزوج نحواً من تسعين امرأة بنكاح المتعة وأنه كان يرى الرخصة في ذلك قال: وكان فقيه أهل مكة في زمانه.

8- رأى الامامية في المتعة

أجمع الامامية - تبعاً لأئمتهم الاثني عشر عليهم السلام- على دوام حلها، وحسبهم حجة على ذلك: ما قد سمعته من اجماع أهل القبلة على أن الله تعالى شرعها في دينه القويم، وأذن في الإذن بها منادي نبيه العظيم، ولم يثبت نسخها عن الله تعالى ولا عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى انقطع الوحي باختيار

217

الله تعالى لنبيه دار كرامته، بل ثبت عدم نسخها بنصوص صحاحنا المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة، فراجعها في مظانها من وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة. على أن في صحاح أهل السنة وسائر مسانيدهم نصوصاً صريحة في بقاء حلها واستمرار العمل بها على عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر حتى صدر منه النهي عنها في شأن عمرو بن حريث، وحسبك من ذلك ما أوردناه في هذه العجالة، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
218

هوامش
1- وعدم بلوغها من اليأس الشرعي.
2- ولا عدة على من بلغت سن اليأس كالمطلقة أيضاً.
3- سواء أكانت مدخولاً بها أم لا وسواء أكانت يائساً أم لا وسواء أكانت حبلى أم حائلاً. وعدة الحبلى إذا مات عنها زوجها في كلا النكاحين، أبعد الأجلين وهما: وضح الحمل ومضي المدة وهي أربعة أشهر وعشر بعد علمها بموت الزوج.
4- سورة النساء: 11.
5- سورة الأحزاب: 6.
6- سورة النساء: 24
7- أخرج ذلك عنهم غير واحد من الأعلام كالإمام الطبري حول الآية من أوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير، والزمخشري أرسل هذه القراء ة في كشافه عن ابن عباس ارسال المسلمات ونقل عياض عن المازري - كما في أول باب نكاح المتعة في شرح صحيح مسلم للامام النووي -: ان ابن مسود قرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل، والرازي ذكر في تفسير الآية أنه روى عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن قال: وهذا أيضاً هو قراءة ابن عباس. قال: والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة. قال: فكان ذلك اجماعاً من الأمة على صحة هذه القراء ة إلى آخر كلامه في ص 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير.
8- على كلامه في هذا الشأن قريباً.
9- راجع ص 9 من جزئه الخامس.
10- سورة النساء: 3.
11- سورة النساء: 4.
12- سورة النساء: 3.
13- سورة النساء: 26.
14- سورة النساء: 26.
15- سورة المؤمنون: 5،6
16- سورة النساء:26.
17- صفحة 467من جزئه الأول طبع مصر سنة 1306.
18- أي فلما قام بأمر الخلافة، وهذا صريح بان هذه الأحداث: النهي والتحريم والانذار لم تكن من قبل.
19- الرجم حد من حدود الله عز وجل لا يشترعه إلاَّ نبي، على أن القائل بالمتعة مستنبط اباحتها من الكتاب والسنة، فإن كان مصيباً فبهما اخذ، وان كان مخطئاً فإنما هو مشتبه لا حد عليه لو فعلها، فإن الحدود تدرأ بالشبهات.
20- صفحة 52من جزئه الأول.
21- هذا صريح بأن تحريم المتعة الذي أشاد به الخليفة في خطابه لم يكن قبل ولايته على الناس.
22- لا مندوحة عن قبول روايته إذ قال: كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما تحريمه إياهما فلرأي رآه.
23- صفحة 535 من جزئه الأول.
24- الظاهر من قوله: كنا نتمتع أن سيرة الصحابة كانت مستمرة على ذلك بعلم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر قبل نهيه.
25- فعلناهما ظاهر باستمرار سيرتهم على فعلها كقوله السابق نستمتع وكقوله استمتعنا.
26- لا يخفى ظهوره في أن النبي إنما هو منه لا من الله تعالى ولا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
27- حيث يشرح هذا الحديث في الموطأ.
28- فيما رواه عنه أبن جريج وعمر بن دينار.
29- ألفتك إلى ما كان منها في صفحة 489من المجلد 4من شرح نهج البلاغة الحميدي أحمد يدي حيث ترجم ابن الزبير أثناء شرحه لقول أمير المؤمنين عليه السلام: ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم.
30- نقله عن الترمذي كل من العلامة في نهج الصدق والشهيد الثاني في مبحث المتعة من روضته
31- في الصفحة الثانية أو الثالثة من كتاب النكاح فراجع.
32- سورة المائدة: 87.
33- أثناء بحثه عن حكم متعة النساء حول آيتها من تفسيره الكبير.
34- في ترجمة القاضي يحيى بن أكثم.



يتبع
22-03-2017 05:28 PM
عباس محمد س متعة الحج
متعة الحج عملها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بها عن الله عز وجل، وهي مما نص الذكر الحكيم بقوله عز من قائل في سورة البقرة: ﴿ ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... ﴾4.

صفة هذا التمتع

أما صفة التمتع بالعمرة إلى الحج، فهي أن ينشئ، المتمتع بها احرامه في أشهر الحج5 من الميقات فيأتي مكة ويطوف بالبيت، ثم يسعى بين الصفا والمروة، ثم يقصر ويحل من إحرامه فيقيم بعد ذلك حلالاً، حتى ينشئ، في تلك السنة نفسها احراماً آخر للحج من مكة،

197

والأفضل من المسجد، ويخرج الى عرفات، ثم يفيض إلى المشعر الحرام ،ثم يأتي بأفعال الحج على ما هو مفصل في محله ،هذا هو التمتع بالعمرة إلى الحج.

قال الامام ابن عبد البر القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقوله تعالى: ﴿... فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي...ِ﴾ هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج6. قلت: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كل جانب على الأصح7.

وإنما أضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتع، أو قيل عنه: التمتع بالحج، لما فيه من المتعة: أي اللذة بإباحة محظورات الاحرام في المدة المتخللة بين الاحرامين وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه، فقال قائلهم - كما أخرجه أبو داود في سننه8-: أنطلق وذكورنا تقطر؟.

وفي مجمع البيان أن رجلاً قال: أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: إنك لن تؤمن بها أبداً9.

وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يفتي بالمتعة، فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فانك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين -عمر- في

198

النسك بعد ك ،حتى لقيه أبو موسى بعد فسأله عن ذلك ،ففال عمر: قد علمت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعله هو وأصحابه ،ولكن كرهت أن يظلوا بهن معرسين في الأراك ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم10.

وعن أبي موسى من طريق آخر أن عمر قال: هي سنة رسول الله - يعني المتعة - لكني أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحون بهن حجاجا11.

وعن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قام عمر - أي بأمر الخلافة -قال: ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وان القرآن قد نزل منازله ،فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله12 وأبتوا نكاح هذه النساء، فإن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة13.

وقد خطب الناس ذات يوم فقال وهو على المنبر بكل حرية وكل صراحة " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء"14.

199

وفي رواية أخرى15 أنه قال: أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن، وأحزمهن، وأعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، وحي على خير العمل.

فصل:

وقد أنكر عليه في ذلك أهل البيت كافة، وتبعهم في ذلك أولياؤهم جميعاً، ولم يقره عليه كثير من أعلام الصحابة وأخبارهم في ذلك متواترة.

وحسبك منها ما أخرج مسلم في باب جواز التمتع من كتاب الحج من صحيحه16 فان فيه عن شقيق، قال: كان عثمان ينهى عن المتعة ،وكان علي يأمر بها، فقال عثمان لعلي كلمة، ثم قال علي: لقد علمت - يا عثمان - أنا تمتعنا على عهد رسول الله، فقال عثمان: أجل ولكنا كنا خائفين.

وفيه عن سعيد بن المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان،فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة ،فقال له علي: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله تنهى عنه ؟ فقال عثمان: دعنا منك. فقال علي: إني لا أستطيع أن أدعك... (الحديث).

وفيه عن غنيم بن قيس، قال: سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة، فقال: فعلناها وهذا17 كافر بالعرش.

200

وفيه عن أبي العلاء، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن حصين إني لأحدثك بالحديث اليوم، ينفعك الله به بعد اليوم، واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل أية تنسخ ذلك ،ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه، ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئي.

وفيه عن حميد بن هلال، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن حصين أحدثتك حديثاً عسى الله أن ينفعك به، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه.. الحديث.

وفيه عن قتادة، عن مطرف، قال: بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فان عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت، واعلم أن نبي الله قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه عنها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال رجل فيها برأيه ما شاء. وفيه من طريق أخر، عن قتادة عن مطرف بن الشخير، عن عمران بن حصين، قال: اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينهنا عنها. قال فيها رجل برأيه ما شاء.

وفيه من طريق عمران بن مسلم، عن أبي رجاء، قال: قال عمران بن حصين: نزلت أية المتعة في كتاب الله، يعني متعة الحج، فأمرنا بها

201

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم ينزل آية تنسخ أية متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله حتى مات. قال رجل برأيه بعد ما شاء.

قلت: ولهذا الحديث طرق أخرى في صحيح مسلم، عن عمران بن حصين اكتفينا عنها بما أوردناه، وقد أخرجه البخاري أيضاً عن عمران بن حصين في باب التمتع من كتاب الحج من صحيحه فراجعه في ص 187 من جزئه الأول.

وفيما جاء في التمتع من موطأ مالك18 عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب: أنه سمع سعد بن أبي وقاص ،والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان، وهما يذكران التمتع بالعمرة الى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله عز وجل، فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها رسول الله وصنعاها معه19.

وفي مسند الامام أحمد من حديث ابن عباس20 قال: تمتع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: ما يقول عرية21. قال: يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال

202

ابن عباس: أراهم سيهلكون. أقول: قال النبي، ويقولون نهى أبو بكر وعمر22.

وعن أيوب قال: عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ؟ ترخص في المتعة ؟! قال ابن عباس: سل أمك يل عرية. قال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلاها، فقال ابن عباس: الله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله تعالى، نحدثكم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر... الحديث23 .

وفي باب متعة الحج من كتاب النكاح من صحيح مسلم24 عمن سأل ابن عباس عن متعة الحج فرخص يها،وكان ابن الزبير ينهى عنها،فقال ابن عباس: هذه أم ابن الزبير تحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رخص فيها فادخلوا عليها، قال: فدخلنا عليها فماذا هي امرأة ضخمة عمياء، فقالت:قد رخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها.

وفي صحيح الترمذي25 أن عبد الله بن عمر سئل عن متعة الحج ،قال: هي حلال، فقال له السائل: ان أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أأمر أبي نتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال الرجل بل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. إلى

203

كثير من أمثال هذه الصحاح الصراح في إنكار النهي عنها.

على أن في حجة الودع بلاغاً لقوم يؤمنون، فراجع حديثها في باب حجة النبي من صحيح مسلم26 تجده صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلنها على رؤوس الأشهاد، وكانوا أكثر من مائة الف رجالاً ونساءً من امته قد اجتمعوا ليحجوا معه من سائر الأقطار، وحين أعلن ذلك قام سراقة بن مالك بن خثعم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا التمتع أم للأبد ؟ فشبك أصابعه واحد بعد الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج، دخلت العمرة في الحج لأبد أبد.

وقدم علي من اليمن ببدن النبي فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، قال: فذهبتُ إلى رسول الله مستفتياً فأخبرته، فقال: صدقت صدقت... الحديث
204

هوامش
1- أي فعليه ما تيسر له من الهدي.
2- آي فمن لم يجد الهدي ولا ثمنه فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج هي يوم السابع من ذي الحجة ويوم الثامن منه وهو يوم التروية ويوم التاسع وهو يوم عرفة، وان صام أول العشرة جاز له ذلك رخصة، وان صام يوم التروية ويوم عرفة قضى يوماً آخر بعد انقضاء أيام التشريق، وان فاته صوم يوم عرفة أيضاً صام الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق متتابعات.
3- آي رجعتم إلى بلادكم.
4- سورة البقرة: 196، أي ذلك الذي تقدم ذكره حول التمتع بالعمرة الى الحج ليس لأهل مكة ومن يجري مجراهم في القرب اليها كما بيناه في الأصل.
5- وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة.
6- نقل الفاضل النووي هذا القول عن ابن عبد البر في بعض بحثه عن حج التمتع من شرحه لصحيح مسلم، وشرح مسلم مطبوع على هامش شرحي البخاري فراجع منه ما هو في هامش ص 46 من الجزء السابع من الشرحين.
7- الأخبار الصحيحة الدالة عليه، وقيل يعتبر بعده عن مكة باثني عشر ميلاً من كل جانب حملا للثمانية والأربعين على كونها موزعة على الجهات الأربع.
8- سنن أبي داود مطبوعة في هامش شرح الزرقاني لموطىء مالك وهذا الحديث تجده بعين لفظه في هامش ص 103 من الجزء الثاني من شرحالزرقاني، فراجع.
9- راجع تفسير الآية 195من سورة البقرة من المجمع فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.
10- أخرجه الامام أحمد من حديث عمر في ص 50من الجزء الأول من مسنده.
11- أخرجه الامام أحمد من حديث عمر في ص 49 من الجزء الأول من مسنده.
12- ما أدري والله ما المراد بهذا الكلام فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتم الحج والعمرة على خلاف ما أمر الله ؟ !. وهل كان هو ومخاطبوه أعرف منه صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر الله ونواهيه ؟ !.
13- راجع من صحيح مسلم الباب في المتعة بالحج ص 467 من جزئه الأول تجد هذا الحديث وتجد بعده بلا فصل حديثا آخر هو أصرح في زجره عن التمتع بالعمرة الى الحج.
14- هذا القول مستفيض عنه ( وقد نقله الامام الرازي حول تفسير قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة الى الحج) من سورة البقرة، ونقله ايضا في تفسير قوله عز من قال: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهنَّ) من سورة النساء فراجع.
15- أرسلها الامام القوشجي ارسال المسلمات فراجعها في أواخر مباحث الامامة من كتابه (شرح التجريد) وهو من أئمة المتكلمين من الاشاعرة، وقد اعتذر بأن هذا القول إنما كان من عمر عن اجتهاد.
16- ص 472وما بعدها الى ص 475من جزئه الأول فراجع.
17- الاشارة (بهذا) الى معاوية بن أبي سفيان إذ كان حينئذ ينهى عن المتعة بالعمرة إلى الحج تبعاً لعمر وعثمان، والمراد بالكفر هنا دين الجاهلية كما صر ح به القاضي عياض فيما نقله النووي عنه في تعليقته على هذا الحديث من شرحه للصحيح. قال: والمراد بالمتعة العمرة التي كانت سنة سبع للهجرة. قال: وكان معاوية يومئذ كافراً، وإنما أسلم بعد ذلك عام الفتح. وفي قوله وهذا كافر بالعرش مضاف اليه محذوف تقديره وهذا كافر برب العرش.
18- ص 130 من جزئه الأول.
19- ان للزرقاني في ص 178 من الجزء الثاني من شرحه لموط مالك كلاما في شرح هذا الحديث لا يستغني عنه الباحثون فليراجع، صرَّح فيه بأن صنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصنع أصحابه معه هو الحجة المقدمة على الاستنباط بالرأي.
20- ص 337 من جزئه الأول.
21- تصغير عروة.
22- هذا الحديث اخرجه الامام ابن عبد البر النمري الاندلسي القرطبي في سفره الجليل - جامع بيان العلم وفضله - فراجع منه باب فضل السنة ومباينتها لأقاويل علماء. وراجع هذا الباب من مختصره للعلامة المحمصاني البيروتي ص 226.
23- راجعه في الباب المذكور في التعليقة من كل من كتاب جامع بيان العلم ومختصره.
24- تجد هذا الحديث في الباب الذي عنوانه (باب في متعة الحج) من كتاب الحج ص 479من جزئه الأول، وبعد هذا الحديث حديث هو أصرح منه فليراجع.
25- ص 157 من جزئه الأول.
26- فواجعه في ص 467وما بعدها الى ص 470 من جزئه الاول تجد ثمة فوائد جمة لا يستغني عنها الباحثون. وممن أنكرها المأمون أيام خلافته كما في ترجمة يحي بن أكثم لابن خلكان وأمر ان ينادي بتحليلها فدخل عليه محمد بن منصور وابو العيناء فوجداه يستاك ويقول وهو متغيظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد ابي بكر وأنا أنهى عنهما ! قال: ومن انت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله وأبو بكر؟ ! فأراد محمد بن منصور أن يكلمه فأومأ إليه أبو العيناء وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن ؟ ! فلم يكلماه، قال: ودخل عليه يحي بن أكثم فخلا به وخوفه من الفتنة، إلى آخر ما قال ابن خلكان في وفياته.


يتبع
22-03-2017 05:28 PM
عباس محمد س الحسين عليه السلام أنه قيل له: أن الله تعالى قال: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾. فقال: أيتامنا ومساكيننا57.
وروى الطبري عن منهال بن عمرو قال سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا: هولنا.
فقلت لعلي: إن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
فقالا: يتامانا ومساكيننا58.
إلى هنا اعتمدنا كتب الحديث والسيرة والتفسير لدى مدرسة الخلفاء في ما أوردناه من أمر الخمس، وفي ما يلي مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.
مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام
تواترت الروايات عن أئمة أهل البيت أن الخمس يقسم على ستة أسهم: سهم منه لله، وسهم منه لرسوله، وسهم لذي القربى، وسهم ذي القربى في عصر الرسول لأهل البيت خاصة ومن بعده لهم، ثم لسائر الأئمة ألاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام، وأن السهام الثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى للعنوان، وأن سهم الله لرسوله يضعه حيث يشاء، وما كان للنبي من سهمه وسهم الله يكون من بعده للامام القائم مقامه، فنصف الخمس في
188
هذه العصور كملاً لامام العصر، سهمان له بالوراثة وسهم مقسوم له من الله تعالى وعو سهم ذي القربى، وأن هذه الأسهم الثلاثة لامام العصر من حيث إمامته، والأسهم الثلاثة الأخرى سهم لأيتام بني هاشم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، وهؤلاء هم قرابة النبي الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
وهم بنو عبد المطلب، الذكر منهم والأنثى، وهم غير أهل بيت النبي وملاك الاستحقاق في الطوائف الثلاث أمران:
أ - قرابتهم من رسول الله.
ب - افتقارهم الى الخمس في مؤنتهم، خلافاً لأصحاب السهام الثلاثة الأول الذين كانوا يستحقونها بالعنوان.
ويقسم نصف الخمس على الطوائف الثلاث من بني هاشم على الكفاف والسعة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فللوالي وأن عجز أو نقص عن استغنائهم فإن على الوالي أن ينفق من عنده بقد ر ما يستغنون به، وإنما صار عليه أن يموّلهم لان له ما فضل عنهم.
ويعتبر في الطوائف الثلاث انتسابهم إلى عبد المطلب بالأبوة، فلو انتسبوا بالأم خاصة لم يعطوا من الخمس شيئاً، وتحل لهم الصدقات لأن الله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام: أن المطلبي يشارك الهاشمي في سهام الخمس، ففي الحديث المروي عنع: "لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطلبي إلى صدقة، إن الله عز وجل جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثم قال: إن الرجل إذا لم يجد شيئاً حلت له الميتة، والصدقة لاتحل لأحد منهم إلا منهم إلا ألا يجد شيئاً ويكون ممن حلت له الميتة.
189
وان ما قبضه واحد من افراد الطوائف الثلاث من باب الخمس وتملكه، يصبح بعد وفاته كغيره مما تركه ينتقل الى وارثه، وكذلك ما كان قد قبضه النبي أو الامام الماضي من الاسهم الثلاثة وتملكه ينتقل بعد وفاته الى وارثه على حسب ما تقتضيه آية المواريث لا آية الخمس59.
رواية واحدة تبين موضع الخمس في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
في سنن أبي داود ومسند أحمد وتفسير الطبري وسنن النسائي وصحيح البخاري واللفظ للأول في باب مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى من كتاب الخراج عن جبير بن مطعم، قال:
لما كان يوم خيبر وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل وبني عبد شمس، فانطلقت أنا وعثمان بن عفان حتى أتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله ! هؤلاء بنو هاشم لا ننكر فضلهم للموضح الذي وضعك الله به منهم، فما بال اخوان بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا وبني المطلب لا نفترق - وفي رواية النسائي: إن بني المطلب لم يفارقوني – في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه60.
190
وفي رواية أخرى بمسند أحمد أن ذلك كان في غزوة حنين61.
وفي رواية ثالثة بسنن أبي داود وسنن النسائي ومسند أحمد لم تعين فيها الغزوة62.
وسبب قول عثان وجبير لرسول الله ما قالا وجوابه اياهما بما مر، ان عبد مناف ولد بنين أربعة:
أ- هاشم واسمه عمرو.
ب- المطلب.
ج- عبد شمس.
د- نوفل63.
وأجمعت بنو هاشم وبنو المطلب على نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحاربتهم قريش جميعا وكتبت عليهم صحيفة بمقاطعتهم، فدخلوا جميعاًشعب أبي طالب ومكثوا فيه سني المقاطعة خلافاً لبني عبد شمس وبني نوفل الذين شاركوا قريشاً في أمرهم، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد:
وكان مما بطأ ببني نوفل عن الاسلام ابطاء اخوتهم من بني عبد شمس، فلم يصحب النبي منهم أحد، ولا شهد مشاهده الكريمة خلافاً لبني المطلب، فقد حثهم على الاسلام فضل محبتهم لبني هاشم لأن أمر النبي كان بيناً، وإنما كان يمنع عنه الحسد والبغض ومن لم يكن فيه هذه العلة، لم يكن له دون الاسلام مانع، وشهد بدراً من بني المطلب بنو
191
الحارث بن المطلب كلهم: عبيدة وطفيل وحصين، ومسطح بن اثاثة بن عباد بن المطلب، وقال أبو طالب لمطعم بن عدي بن نوفر في أمر النبي لما تمالأت عليه قريش:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
جزاء مسيء عاجلاً غير آجل
الأبيات – انتهى64.
ذكر الراوي في هذا الحديث وهو جبير بن مطعم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وضع "سهم ذي القربى" في بني هاشم وبني المطلب، ونحن نرى أن الذي شاهده الراوي في هذا الخبر، هو أن الرسول دفع إلى هؤلاء من سهام الخمس ولم يدفع منها إلى بني أمية وبني نوفل. أما تشخيص السهم الذي دفع الرسول منه إلى هؤلاء، فهذا ما ذكره الراوي من عند نفسه ولم يرو أن
192
الرسول قال ذلك. ومن الجائز أن الرسول قد أعطى بعض أولئك من سهم الله وسهم رسوله، فإن الرسول كان يضعهما حيث يشا، كما سبق ذكره، وأنه أعطى بعضهم من سهم المساكين فإن الصدقة كانت محرمة على فقرائهم.
أوردنا بشيء من التفصيل آراء مدرسة الخلفاء في الخمس وأعمالهم فيه واستدلالهم على ما ارتأوا، وأشرنا إلى قول أئمة أهل البيت في الخمس وأنه يقسم لديهم على ستة أسهم ثلاثة منها لله ولرسوله ولذوي قرباه للعنوان، يقبض الرسول هذه الأسهم في حياته ويعود أمرها من بعده إلى الأئمة الاثنى عشر من أهل بيته، والأسهم الثلاثة الأخرى منه لفقراء بني هاشم وأيتامهم وأبناء سبيلهم مع وصف الفقر65.
وقالوا أيضا: إن الخمس يجب إخراجه من كل مال فاز به المسلم من جهة العدى وغيرهم66 واستدلوا في كلتا المسألتين بعموم آية الخمس مع ما لديهم من سنة الرسول، قال فقهاء مدرستهم في مقام الاستدلال بالآية على المسألة الثانية:
إن الآية وإن كانت قد نزلت في غنائم غزوة بدر، ولكن ليس للمورد أن يخصص67 والتخصيص من غير دليل باطل 68 وبيان الايراد على الاستدلال وجوابه كما يلي69:
193
إن المورد على الاستدلال بالآية قال: إن الآية نزلت في غنائم غزوة بدر فلا تشمل ما عدا غنائم الحرب.
واجيب عنه: بأن نزول الآية في غزوة بدر لا يخصص الحكم العام الوارد في الآية - وهو وجوب أداء الخمس من المغنم - ويجعل الحكم خاضا بغنائم الحرب. ومثاله من غير هذا المورد؛ حكم جلد الشهود على الزنا إن لم يبلغ عددهم الأربعة والوارد في قصة الافك، فإن المورد وهو قصة الافك لا يخصص الحكم العام الذي ورد في الآيات وهو جلد الشهود إن لم يبلغوا أربعة بتلك الواقعة، وكذلك شأن حكم الظهار الوارد في سورة المجادلة فإنه ما خص المرأة التي جادلت وزوجها يومذاك وإن نزت الآية في شأنهما وهكذا الأمر في ما عداهما.
وقالوا في الجواب أيضا: أن تخصيص الآية وتقييدها - بغائم دار الحرب - أولى بطلب الدليل عليه70 وأن على من يخصص الآية بها اقامة الدليل71.
ومما يؤيد هذه الأجوبة ما ذكره القرطبي من مدرسة الخلفاء بتفسير الآية قال: والاتفاق - أي اتفاق علماء مدرسة الخلفاء - حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ﴾ مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر،ولا يقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه72.
إذاً فتخصيص الغنائم بغنائم دار الحرب خلاف المتبادر من اللفظ
194
عند أهل اللغة وقول علماء مدرسة الخلفاء التخصيص يخالف المعنى المتبادر من اللفظ عند إطلاقه.
وأجيب على الإيراد إيضاً: بأن الآية وإن كنت نازلة في مورد خاص وهو غزوة بدر،ولكن من المعلوم عدم اختصاصها بذلك المورد الخاص، حتى أن من ذهب من العامة إلى عدم وجوب الخمس في مطلق الغنائم لم يخصه بخصوص مورد الآية بل عممه إلى مطلق الغنائم المأخوذة في الحروب، مع أنا لو بنينا على الجمود في استفادة الحكم من الآية بحيث لم نتعد موردها بوجه لوجب القول بعدم وجوب الخمس إلا على من شهد غزوة بدر في ما اغتم من المشركين في تلك الغزوة، ولم يقل بهذا أحد،فلا بد من التعدي من مورد الآية لا محالة، فنحن نتعدى منه إلى مطلق ما يصدق عليه الغنيمة سواء كان مكتسباً من الحرب أو التجارة أو الصناعة أو غير ذلك 73.
وبالإضافة إلى استدلالهم بآية الخمس يستدلون بما ورد عن أئمة أهل البيت في هذا الحكم كما يفعلون في سائر الأحكام فإن الرسول قد أمر بالتمسك بهم في حديث الثقلين وغيره، سواء أسند الأئمة حديثهم إلى جدهم الرسول، مثل الحديث الذي رواه الصدوق في الخصال عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في وصيته له: يا علي إن عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله له في الإسلام، حرم نساء الآباء على الأبناء فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء﴾74 ووجد كنزا فأخرج منه الخمس وتصدق به فأنزل الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم
195
مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ...﴾ لما حفر زمزم... الحديث75.
ويعني هذا الحديث أن الآية تشمل غير غنائم الحرب، وقد سبق ذكر سنة الرسول في ذلك ايضاً.
هذه خلاصة أدلة اتباع مدرسة أئمة أهل البيت في هذا المقام.
196
هوامش
1- بمادة ربع من القاموس واللسان وتاج العروس ونهاية اللغة لابن الاثير وفي صحاج الجوهري بعضه. وسيرة ابن هشام 4/ 249.
2- في نهاية اللغة 2/ 62.
3- في نهاية اللغة 1/321، ومسند احمد 4/ 257، وعدى ابو طريف اسلم سنة 9هـ وشهد فتح العراق والجمل وصفين ونهروان مع الإمام وفقئت عينه بصفين. روى عنه المحدثون 66حديثا، توفي بالكوفة سنة 68هـ ترجمته بالاستيعاب وأسد الغابة والتقريب.
4- سورة الأنفال: 41.
5- راجح مادة الزكاة في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
6- مسند أحمد 1/ 314، وسنن ابن ماجة ص 839
7- صحيح مسلم 5/ 127 باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار اي هدر من كتاب الحدود بشرح النووي 11/ 225 ،وصحيح البخاري 1/ 181 باب في الركاز الخمس، و2/ 74 باب من حفر بئراً في ملكه لم يضمن من كتاب المساقاة وسنن أبي داود 2/ 254باب من قتل عمياً بين قوم من كتاب الحدود، وباب ما جاء في الركاز، 2/ 0 7، وسنن الترمذ ي 3/138 باب ما جاء في العجماء جرحها جبار وفي الركاز الخمس، وسنن ابنماجة ص 03 8 باب من أصاب وكازاً من كتاب النقطة، وموطأ مالك ج 1/ 244 باب زكاة الشركاء. ومسند أحمد ج 2/ 228 و239 و254 و274 و285 و319 و382 و386 و406و411و415و454و456و467و475و482و493و495و499و501و5 07، والأموال لابي عبيد ص 336.
8- أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم الانصاري ولد بالكوفة 113هـ وتلمذ على ابي حنيفة وهو أول من وضع الكتب على رأي أبي حنيفة وولي القضاء ببغداد أيام المهدي والهادي والرشيد، وتوفي منة 182هـ ونقلنا عن كتاب خراجه ط القاهرة 1346هـ ص 26 وقد وضعه لخليفة عصره الرشيد. وعطب اي هلك. والقلب: البئر لم تطو. والعقل: الدية.
9- مسند أحمد 3/ 335و336و356و353،ومجمع الزوائد 3/ 78باب في الركاز من أصحاب رسول الله، توفي بالكوفة سنة 104هـ، أنساب السمعاني ص 336.
10- مسند أحمد 5/ 326.
11- مسند أحمد 3/ 128، ومجمع الزوائد 3/ 77 باب في الركاز والمعادن، ومغازي الواقدي ص 682.
12- مسند أحمد 2/ 186 و202و207واللفظ للأول، وفي سنن الترمذي 1/ 219باب اللقطة من كتاب الزكاة مع اختلاف في اللفظ. والأموال لأبي عبيد ص 337، وأشار الى هذه الأحاديث الترمذي في باب ما جاء العجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس قال: وفي الباب عن أنس بن مالك وعبد الله بن عمرو وعباد بن الصامت وعمرو بن عوف المزني وجابر.
13- نهاية الارب ص 21، يرويه عن كتاب الشفاء للقاضي عياض، والعقد الفريد 2/ 48 في الوفود، وبترجمة الضحاك من أسد الغابة 3: 38وأشار الى الكتاب صاحبا الاستيعاب وأسد الغابة بترجمة وائل. ووائل بن حجر كان أبوه من أقيال اليمن وفد الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكتب له عهدا جاء فيه ما أورده في المتن، بعث الرسول مع معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: اردفني فقال: لست من أرداف الملوك، توفي وائل في خلافة معاوية، ترجمته بالاصابة 3: 592.
14- الخراج ص 25-27.
15- قصد بالزكاة هنا ما يقابل الخمس أي الصدقة.
16- هذا يخالف عموم آية الخمس ويخالف ما في فقه أئمة أهل البيت.
17- الخراج ص 83.، ونقل ابو عبيد في كتاب الاموال ص 345-348 قولين فيه: أ – أن فيه الزكاة. ب. أن فيه الخمس.
18- بصحيح البخاري 4/305 اباب والله خلقكم وما تعلمون من كتاب التوحيد، وج 1/ ،13 19 منه، وج 3/ 53، وفي صحيح مسلم 1/35و36 باب الأمر بالايمان عن ابن عباس وغيره، وسنن النسائي 2/، 333 ومسند أحمد 3/ 318وج 5/، 136 وعبد القيس قبيلة من ربيعة كانت مواطنهم بتهامة، ثم انتقلوا الى البحرين وقدم وفدهم على الرسول في السنة التاسعة ولفظه في ص 12 من الاموال لأبي عبيد: وان تؤدوا خمس ما غنمتم.
19- السورة 5 1.
20- فتوح البلدان 1/ 84 باب اليمن، وسيرة ابن هشام 4/ 265- 266، والطبري 1/ 1727 - 1729، وتاريخ ابن كثير 5/ 76، وكتاب الخراج لابي يوسف ص 85 واللفظ -واللفظ للأول وهناك رواية أخرى أوردها الحاكم في لمستدرك 1/ 395 و396، وفي كنز العمال 5/ 517. وعمرو بن حزم أنصاري خزرجي شهد الخندق وما بعدها، توفي سنة احدى أو ثلاث أو أربع وخمسين هـ بالمدينة. أسد الغابة 4/ 99.
21- طبقات ابن سعد 1/ 270، وجذام حي كبير من القحطانية، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 420- 421، وسعد هذيم من بطون قضاعة ينسبون الى قحطان نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 447 أما أبي وعنبسة ففي الصحابة عدد بهذين الاسمين، ولم يميز ابن سعد رسولي النبي بكنية أو لقب أو نسب لتعرفهما.
22- بترجمة مالك من أسد الغابة 4/ 271، والإصابة 3/ برقم 7593، ولسان الميزان 3/ 20، وفي الأخير ورد اسمه مبارك بدلا من مالك، ومالك بن أحمر من جذام بن عدي، بطن من كهلان وكانت مساكنهم بين مدين الى تبوك ولما أسلم مالك سأل الرسول أن يكتب له كتابا يدعو قومه إلى الإسلام، فكتب له في رقعة ادم عرضها أربعة أصابع وطولها قدر شبر.
23- هكذا في أسد الغابة ورجح عندنا هذا على ما في طبقات ابن سعد: وأعطى.
24- بطبقات ابن سعد 1/ 304- 305، وأسد الغابة 4/ 175، والإصابة 4/ الترجمة 6960 واللفظ للأول في ذكر وفد بني البكاء وهم بطن من بني عامر من العدنانية والفجيع ابن عبد الله البكائي، ترجمته في اسد الغابة والإصابة وذكرا وفادته إلى الرسول أيضا بترجمة بشر بن معاوية بن ثور البكائي. الاصابة 1/ 160.
25- مجموعة الوثائق السياسية لمحمد حميد الله نقلا عن الاموال لأبي عبيد ص 52، وصبح الأعشى للقلقشندي 6/ 380. والأسبذي نسبة الى قرية بهجر كان يقال لها: الاسبذ، وما قيل: انه نسبة الى الاسبذيين الذين كانوا يعبدون الخيل لا يتفق وما ورد في كتاب الرسول لعباد الله الاسبذيين فان الرسول قد نسبهم الى عبودية الله وهذا ينافي ان ينسبهم بعده الى عبادة الخيل، راجع فتوح البلدان ص 95.
26- طباقت ابن سعد 1/ 266 وحدس بن أريش بطن عظيم من لخم من القحطانية ونسبهم بجمهرة ابن محزم ص 423.
27- طبقات ابن سعد 1/ 270 باب ذكر بعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتبه، وفي ترجمة جنادة بأسد الغابة ا / 300 وراجع كنز العمال ط الأولى ج 5/ 320. وذكروا لجنادة الأزدي أربع تراجم: 1- لجنادة بن ابي امية. 2- لجنادة بن مالك. 3- لجنادة الأزدي وهذا لم يذكروا اسم أبيه. 4 -جنادة غير منسوب، وأوردوا هذا الخبر بترجمة الأخير ولعل الأربعة شخص واحد. راجع اسد الغابة 1/ 298-، 300.
28- طبقات ابن سعد 1/269
29- طبقات ابن سعد 1/269. وجرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طي نسبهم بجمهرة ابن حزام ص 400-401.
30- روى هذا الكتاب محمد حميد الله في مجموعة الوثائق السياسية ص 142 رقم 157 عن جمع الجوامع للسيوطي. وأورد بمادة صرم قسماً من الكتاب كل من ابن الاثير في نهاية اللغة وابن منظور في لسان العرب. وجهينة بن زيد من قضاعة من القحطانية، نسبهم بجمهرة ابن حزم ص 444- 446، وذكرت المصادر الثلاثة الآنفة أن الرسول كتب الكتاب مع عمرو بن مرة الجهني ثم الغطفاني وكنيته ابو مريم. وفد الى النبي وشهد اكثر غزوات، وسكن الشام وأدرك حكومة معاوية. اسد الغابة 4/ 130، وفي الاصابة 3/ 16: انه رجع الى قومه فدعاهم الى الاسلام في سلموا ووفدوا الى رسول الله، وانه توفي في خلافة معاوية.
31- فتوح البلدان 1/ 85، وفي سيرة ابن هشام 4/ 258- 259بلفظ آخر وكذلك في مستدرك الحاكم 1/ 395، وراجع تهذيب تاريخ ابن عساكر 6/ 273 – 274، وكنز العمال ط الأولى 6/ 169، وص 13 من الاموال لأبي عبيد. وجمير بطن عظيم من القحطانية من بني سبأ بن يشجب، سكنوا اليمن قبل الاسلام ترجمتهم بجمهرة ابن حزم ص 234 – 438 وفدوا الى النبي في السنة التاسعة هجرية، والكتاب الى الحارث بن عبد كلال والنعمان من ملوك حمير.
32- ورد الكتاب بترجمة صيفي بن عامر من الاصابة 2/ 186 الترجمة 4111، وأشار اليه بترجمته في كل من الاستيعاب بهامش الاصابة 2/ 186، واسد الغابة 3/ 34ووصفه ابن الأثير بسيد بني ثعلبة وبنو ثطبة بن عامر بطن من بكر بن وائل من العدنانية ونسبهم بجمهرة ابن حزم ص 316 وذكرت وفادة لبني ثطبة على رسول الله في السنة الثامنة ولست أدري أكان صيفي هذا فيهم أم لا، راجع طبقات ابن سعد 1/ 298، وعيون الاثر 2/ 248.
33- سنن ابي داود 3/ 55 الباب 20 من كتاب الخراج وسنن النسائي 2/ 179، وطبقات ابن سعد 1/ 179، ومسند 5/ 77 و78 و363، وأسد الغابة 5/ 4 و389، والاستيعاب واللفظ لأول، وفي بعض الروايات اعطيت من المغانم الخمس وص 13 من الاموال لأبي عبيد. وزهير بن اقيش في تاج العروس 4/ 280حي من عكل كتب لهم رسول الله، وفي جمهرة ابن حزم ص 480بنو عكل بن عوف بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر.
34- طبقات ابن سعد 1/271.
35- راجع ترجمتها باسد الغابة.
36- راجع طبقات ابن سعد ا / 305
37- طبقات ابن سعد ا / 248
38- ذكره ابن سعد في الطبقات 1/ 268.
39- سورة التوبة: 113.
40- سورة الأنعام: 152.
41- سورة النساء: 8.
42- سورة البقرة: 83، وسورة النساء: 36.
43- سورة الحشر: 7.
44- سورة الشورى: 27.
45- قد يرى العلماء من بعدنا في بحثنا هذا عن ذي القربى ونظائرها توضيحاً للواضحات التي لا ينبغي صرف الوقت في شرحها ولا يعلمون ما وجدنا في عصرنا وفي أقوال نابتة عصرنا من انحراف بعيد عن فهم مصطلحات الاسلام وعقائده وأحكامه فالجأنا ذلك الى أمثال هذا الشرح والبسط.
46- راجع تفسير آية الخمس بمجمع البيان ومادة سبل من مفردات الراغب.
47- تفسير النيشابوري بهامش الطبري ج 10..
48- الاموال لابي عبيد ص 325وص 14 وتفسير الطبري ج 10/ 4 واحكام القرآن للجصاص ج 3/ 60، وفي ص 61 منه بايجاز واللفظ للأول. وأبو العالية الرياحي هو رفيع بن مهران مات سنة تسين أو بعدها، أخرج حديثه اصحاب الصحاح. تهذيب التهذيب1/ 252.
49- الاموال لابي عبيد ص 325وص 14 وتفسير الطبري ج 10/ 4 واحكام القرآن للجصاص ج 3/ 60، وفي ص 61 منه بايجاز واللفظ للأول. وأبو العالية الرياحي هو رفيع بن مهران مات سنة تسين أو بعدها، أخرج حديثه اصحاب الصحاح. تهذيب التهذيب1/ 250.
50- تفسير الطبري ج 0 1/ 5 بسندين. وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي مولى بني أمية، اخرج حديثه اصحاب الصحاح توفي سنة: 15هـ أو بعدها، تهذيب التهذيب 1/520
51- تفسير الطبريج ج4/10. وقتادة بن دعامة الدوسي ابو الخطاب البصري اخرج حديثه اصحاب الصحاح مات سنة بضع عشرة ومائة، تهذيب التهذيب 2/ 123.
52- تفسير الطبري ج 10/ 6.
53- تفسير الطبري ج 10/ 5.
54- نفس المصدر السابق.
55- نفس المصدر السابق.
56- نفس المصدر السابق.
57- تفسير النيسابوري بهامش الطبري وتفسير الطبري ج: 10/ 7. والمنهال بن عمرو االأسدي - مولاهم - الكوفي من الطبقة الخامسة، اخرج حديثه اصحاب الصحاح عدا مسلم، تهذيب التهذيب 2/ 278. وعبد الله بن محمد بن علي بن ابي طالب توفي في السام سنة 199هـ، اخرج حديثه اصحاب الصحاح، تهذيب التهذيب 2/ 448. والامام علي بن الحسين زين العابدين توفي سنة 193 هـ، اخرج حديثه اصحاب الصحاح تهذيب التهذيب 2/34.
58- الطبري ج 10/7
59- رجعت في هذا البحث الى مصباح الفقيه للهمداني كتاب الخمس ص 44 1 - 150، واوجزت متون الاحاديث التي استشهد بها وأوردته هنابالاضافة الى رجوعي الى الموسوعات الحديثة الأخرى.
60- رواه ابو داود في سننه ج 2/ 0 5، والطبري في تفسيره 0 1/ 0 5، وأحمد في مسنده 4/ 81، ويختلف لفظهم مح لفظ البخاري في صحيحه 3/ 36 باب غزوة خبير، ومع لفظ النسائي في سننه 2/ 178، وباب قسمة الخمس من كتاب الجهاد في سنن ابن ماجة ص 961 والواقدي في مغازيه ص 696، وفيه ان ذلك كان باشارة جبرئيل، وابو عبيد في الاموال ص 331. وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وام امه ام حبيب بنت العاص بن امية وكان أبوه احد من قام بنقض صحيفة المقاطة، اسلم بعد الحديبية أو بعد الفتح. اسد الغابة 1/ 281.
61- مسند أحمد 4/ 85.
62- سنن أبي داود 2/ 51- 52، وسنن النسائي 2/ 178، ومسند أحمد 4/ 83.
63- راجع جمهرة نسب ابن حزم ص 94.
64- أوردناه باختصار من شرح النهج 3/ 486، وعبيدة عبيد في المتن محرف وطفيل وحصين امهم سخيلة بن خزاعي الثقفي اسلم عبيدة قبل دخول النبي دار الارقم، وكان لسن من النبي بعشر سنين وهاجر مع اخوته وابن عمهم مسطح الى المدينة في وقت واحد. وفي ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة، عقد له رسول الله أول لوا ء عقد وبعثه في سنين راكباً من المهاجرين فالتقوا مع الشركين ورئيسهم أبو سفيان بثنية المرة وبارز عبيدة عتبة الاموي ببدر فاختلفا ضربتين اثبت كل منهما صاحبه فذفف علي وحمزة على عتبة وحملا عبيدة الى رسول الله فوضع رأسه على ركبته وتوفي بالصفراء مرجعهم من بدر وعمره ثلاث وستون سنة - اسد الغابة 3/ 356، وتوفي الطفيل سنة احدى أو اثنتين وثلاثين وتوفي أخوه الحصين بعده باربعة اشهر. أسد الغابة 3/ 52. روى ابن الاثير بترجمة الحصين في أد الغابة 3/ 24 عن ابن عباس ان قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ الآية 110 من سورة الكهف نزلت في علي وحمزة وجعفر وعبيدة والطفيل والحسين بني الحارث ومسطح بن اثاثة بن عباد بن المطلب. ومسطح امه ابنة ابي رهم بن المطنب وام امه رائطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر قيل توفي سنة اربع وثلاتين وقيل شهد صفين مع علي وتوفي سنة 37، اسد الغابة 4/ 354.
65- معنى بيانه في باب مواضع الخمس لدى مدرسة أهل البيت.
66- ورد ذلك بباب الخمس في الموسوعات الحديثية والكتب الفقهية لدى مدرسة أهل البيت.
67- راجع كتاب الخمس بمستند النراقي وغير ه.
68- المنتهي للعلامة الحلي (ت 729هـ)ج 1/ 729.
69- توخينا الشرح والتبسيط في هذا الكتاب وتجنبنا المصطلحات العلمية مهما امكن ليعم نفعه إن شاء الله تعالى..
70- مسالك الإفهام ج 2/ 80.
71- الخلاف للشيخ الطوسي ج 2/ 110، وج ا/ 358، وقريب منه لفظ مصباح الفقيه ص 19 من كتاب الخمس.
72- تفسير القرطبي 8/ 1.
73- تقريرات الحاج السيد حسين البروجردي زبدة المقال ص 5.
74- سورة النساء:22.
75- الخصال ط. وتحقيق الغفاري ص 312.




يتبع
22-03-2017 05:27 PM
عباس محمد س الخمس
الخمس في اللغة: اخذ واحد من خمسة، وخمستُ القوم: أخذت خمس أموالهم.
أما معناه الشرعي فينبغي لدركه أن نرجع أولا إلى عرف العرب في العصر الجاهلي لمعرفة نظامهم الاجتماعي يومذاك في هذا الخصوص، ثم نعود إلى التشريع الإسلامي لندرس الخمس فيه وندرس أمره بعد ذلك لدى المسلمين بالتفصيل إن شاء الله تعالى، فإلى دراستهما في ما يلي:
أولا: في العصر الجاهلي
كان الرئيس عند العرب يأخذ في الجاهلية ربع الغنيمة ويقال: ربع القوم يربعهم ربعا أي اخذ ربع أموالهم وربع الجيش أي اخذ منهم وبع الغنيمة، ويقال للربع الذي يأخذه الرئيس: المِرباع. وفي الحديث، قال الرسول لعدي بن حاتم قبل أن يسلم: "إنك لتأكل المرباع وهو لا يحل في دينك"1. وقال الشاعر:
لك المرباع منها والصفايا
وحكمك والنشيطة والفضول
الصفايا ما يصطفيه الرئيس، والنشيطة ما أصاب من الغنيمة قبل أن
165
تصير إلى مجتمع الحي، والفضول ما عجز أن يُقسّم لقلته فخصّ به الرئيس2.
وفي النهاية: "إن فلانا قد ارتبع أمر القوم، أي انتظر أن يؤمر عليهم، وهو على رباعة قومه أي هو سيدهم".
وفي مادة "خمس" من النهاية: ومنه حديث عدي بن حاتم "ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام" أي قدت الجيش في الحالين، لان الأمير في الجاهلية كان يأخذ ربع الغنيمة وجاء الاسلام فجعله الخمس وجعل له مصاريف، انتهى3.
ثانيا: في العصر الإسلامي
هذا ما كان في الجاهلية، أما في الاسلام فقد فرض الخمس في التشريع الاسلامي، وذكر في الكتاب والسنة كما يلي:
أ - الخمس في كتاب الله
قال الله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾4.
هذه الآية وإن كانت قد نزلت في مورد خاص، ولكنها أعلنت حكماً
166
عاماً وهو وجوب أداء الخمس من أيّ شيء غنموا - أي فازوا به - لأهل الخمس، ولو كانت الآية تقصد وجوب أداء الخمس مما غنموا في الحرب خاصة، لكان ينبغي أن يقول عز اسمه: واعلموا أن ما غنمتم في الحرب، أو أنَّ ما غنمتم من العدى وليس يقول أن ما غنتم من شيء.
في هذا التشريع: جعل الاسلام سهم الرئاسة الخمس بدل الربع في الجاهلية، وقلل مقداره، وكثر أصحابه، فجعله سهماً لله، وسهماً للرسول، وسهماً لذوي قربى الرسول، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل من فقراء أقرباء الرسول، وجعل الخمس لازماً لكل ما غنموا من شي؟ عامة ولم يمحّضه بما غنموا في الحرب، وسماه الخمس مقابل المرباع في الجاهلية.
ولما كان مفهوم الزكاة مساوقاً لحق الله في المال كما أشرنا إليه في ما سبق، فحيث ما ورد في القرآن الكريم حث على أداء الزكاة في ما ينوف على ثلاثين آية5، فهو حث على أداء الصدقات الواجبة والخمس المفروض في كل ما غنمه الانسان، وقد شرح الله حقه في المال في آيتين: آية الصدقة وآية الخمس، كان هذا ما استفدناه من كتاب الله في شأن الخمس.
ب - الخمس في السنة
أمر الرسول باخراج الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب مثل الركاز كما روى ذلك كل من ابن عباس، وأبي هريرة، وجابر، وعبادة بن الصامت، وأنس ابن مالك، كما يلي:
في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للأوّل، عن ابن عباس قال:
167
"قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الركاز الخمس"6.
وفي صحيحي مسلم والبخاري، وسنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وموطأ مالك، ومسند احمد واللفظ للأوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "العجماء جُرحها جُبار، والمعِدن جُبارة، وفي الركاز الخمس" وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار7.
شرح هذا الحديث أبو يوسف في كتاب الخراج وقال: كان أهل الجاهلية إذا عطب الرجل في قليب جعلوا القليب عقله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتلته معدن جعلوه عقله، فسأل سائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: العجماء جبار، والمعدن جُبار، والبئر جبار، وفي الركاز الخمس " فقيل له: ما الركاز يا رسول الله ؟ فقال: "الذهب والفضة الذي خلقه الله في الأرض يوم خلقت"8 انتهى.
168
وفي مسند أحمد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "السائمة جبار، والجب جبار، المعدن جبار، وفي الركاز الخمس " قال الشعبي: الركاز الكنز العادي9.
وفي مسند أحمد، عبادة بن الصامت قال: من قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها. والجبار هو الهدر الذي لا يغرم، وقضى في الركاز الخمس10.
وفي مسند أحمد0عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربة يقضي حابت فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبراً فأخذها فأتى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، قال "زنها" فوزنها فإذا مائتا درهم، فقال النبي: "هذا ركاز وفيه الخمس"11.
وفي مسند أحمد: ان رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب والآرام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فيه وفي الركاز الخميس"12.
169
وفي مادة "سيب" من نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس وفي نهاية الارب والعقد الفريد وأسد الغابة واللفظ للأول. "وفي كتابه - أي كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لوائل بن حجر: "وفي السيوب الخمس" السيوب: الركاز.
وذكر انهم قالوا: "السيوب عروق الذهب والفضة تسيب في المعدن أي تتكون فيه وتظهر"، "والسيوب جمح سيب يريد به - أي يريد النبي بالسيب- المال المدفون في الجاهلية أو المعدن لأنه من فضل الله تعالى وعطائه لمن أصابه".
وتفصيل كتاب رسول الله هذا في نهاية الارب للقلقشندي13.
خلاصة الروايات السابقة
خلاصة ما يستفاد من الروايات السابقة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بدفع الخمس من كل ما يستخرج من الأرض من ذهب وفضة، سواء كان كنزا أو معدنا وكلاهما ليسا من غائم الحرب، كما زعموا أنها - أي غائم الحرب - هي المقصود من "غنموا"، في الآية الكريمة، وإنما تدل تلكم الأحاديث على ما برهنا عليه أن ما "غنموا" قصد به في التشريع الإسلامي
170
"ما ظفر به من جهة العدى وغيرهم" فثبت من جميع ما سبق أن الخمس لا يخص غنائم الحرب وحدها في الاسلام، وكذلك استفاد الفقهاء من تلكم الروايات مثل القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج 14 فانه استنبط من الروايات حكم وجوب أداء الخمس من غير غنائم الحرب.
قال أبو يوسف: في كل ما أصيب من المعادن من قليل أو كثيرلخمس، ولو أن رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضة أو أقل من وزن عشرين ذهباً، فإن فيه الخمس، ليس هذا موضع الزكاة15، إنما هو على موضع الغنائم، وليس في تراب ذلك شيء، إنما الخمس في الذهب الخالص، والفضة الخالصة، والحديد، والنحاس، والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، قد تكون النفقة تستغرق ذلك كله، فلا يجب إذن فيه خمس عليه وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلا كان أو كثيرا، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة -مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرة - فلا خمس في شيء16 من ذلك إنما ذلك كله بمنزلة الطين والتراب.
قال: ولو أن الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أوالرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أن جندا من الأجناد، أصابوا غنيمة من أهل الحرب، خمست ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين، لم يمنع ذلك من الخمس.
قال: وأما الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه الله عز وجل في
171
الأرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمن أصاب كنزاً عادياً في غير ملك أحد فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب، فإن في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه، وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمس وما بقي فلهم.
قال: ولو أن حربياً وجد في دار الاسلام ركازاً، وكان قد دخل بأمان نزع ذلك كله منه، ولا يكون له منه شيء. وان كان ذمياً أخذ منه الخمس، كما يؤخذ من المسلم، وسلم له أربعة أخماسه، وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الاسلام فهو بعد الخمس...
وقال أبو يوسف في "فصل ما يخرج من البحر": "وسألت يا أمير المؤمنين عما يخرج من البحر فإن في ما يخرج من البحر من حلية والعنبر الخمس"17.
استعرضنا في ما سبق روايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي أمرت بدفع الخمس عن أشياء غير غنائم الحرب، وكذلك ما استفادوه من تلك الروايات، وفي ما يلي نستعرض كتب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعهوده التي ورد فيها أمر بدفع الخمس.
الخمس في كتب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعهوده
أ – في صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي ومسند أحمد واللفظ للأول: أن وفد عبد القيس لما قالوا لرسول الله: "ان بيننا وبينك المشركين من مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في أشهر حرم، فمرنا
172
بجمل من الأمر إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه من وراءنا".
قل: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ؛ آمركم بالايمان بالله، وهل تدرون ما الايمان بالله، شهادة أن لا إله إلأ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم... "الحديث18.
إن الرسول لما أمر وفد عبد القيس أن يعطوا الخمس من المغنم، لم يطلب اخراج خمس غنائم الحرب من قوم لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين من مضر، وإنما قصد من المغنم معناه الحقيقي في لغة العرب وهو الفوز بالشي، بلا مشقة كما سبق تفسيره، أي أن يعطوا خمس ما يربحون، أو لا أقل من أنه قصد معناه الحقيقي في الشرع وهو "ما ظفر به من جهة العدى وغيرهم".
وكذلك الأمر في ما ورد في كتب عهوده للوافدين إليه من القبائل العربية وفي ما كتبه لرسله إليهم، وولاته عليهم مثل ما ورد في فتوح البلاذري، قال:
"لما بلغ أهل اليمن ظهور رسول الله وعلو حقه، أتته وفودهم، فكتب لهم كتاباً بإقرارهم على ما أسلموا عليه من أموالهم وأراضيهم وركازهم، فأسلموا، ووجه إليهم رسله وعماله لتعريفهم شرايع الاسلام وسننه وقبض صدقاتهم، وجزى رؤوس من أقام على النصرانية واليهودية والمجوسية".
173
ثم ذكر هو وابن هشام والطبري وابن كثير واللفظ للبلاذري قال: كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:
ب - "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا بيان من الله ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ...﴾19 عهد من محمد النبي رسول لله لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى لله في أمره كله، وأن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العشر مما سقى الغرب"20.
البعل: ما سقي بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.
ج - ومثل ما كتب لسعد هذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلمهم فرائض الصدقة وأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أبي وعنبسة أو من أرسلاه"21.
انّ الرسول حين طلب من قبيلتي سعد وجذام أن يدفعوا الصدقةوالخمس إلى رسوليه أو لمن يرسلاه إليه، لم يكن يطلب منهم خمس
174
غنائم حرب خاضوها مع الكفار،وإنما قصد ما استحق عليهما من الصدقة وخمس أربحهما.
د - وكذلك ما كتب لمالك بن أحمر الجذامي، ولمن تبعه من المسلمين أماناً لهم ما أقاموا الصلاة واتبعوا المسلمين وجانبوا المشركين وأدوا الخمس من المغنم وسهم الغارمين وسهم كذا وكذا، الكتاب22.
هـ - وما كتب للفجيع ومن تبعه: "من محمد النبي للفجيع ومن تبعه وأسلم وأقام الصلاة وآتى الزكاة (وأطاع)23 الله ورسوله، وأعطى من المغانم خمس الله، ونصر النبي وأصحابه، وأشهد على إسلامه، وفارق المشركين فإنه آمن بأمان الله وأمان محمد"24.
و- وما كتب للاسبذيين: "من محمد النبي رسول الله لعباد الله الاسبذيين ملوك عمان، من منهم بالبحرين أنهم إن أمنوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأطاعوا الله ورسوله، وأعطوا حق النبي، ونسكوا نسك المسلمين فانّهم أمنون وإن لهم ما أسلموا عليه، غير أن مال بيت النارثنيا لله ولرسوله، وان عشور التمر صدقة ونصف عشور الحبّ، وان للمسلمين
175
نثرهم ونصحهم، وان لهم ارحاءهم يطحنون بها ما شاؤوا"25.
إن المقصود من حق النبي في هذا الكتاب هو الخمس وحده أو الخمس والصفي معاً.
ز - وكذلك المقصود من "حظ الله وحظ الرسول" هو الخمس في ما كتب "لمن أسلم من حدس ولخم" وأقام الصلاة وأعطى الزكاة وأعطى حظ الله وحظ الرسول وفارق المشركين فإنه آمن بذمة الله وذمة محمد، ومن رجع عن دينه فإن ذمة الله وذمة رسول منه بريئة.. "الكتاب26.
ح - وفي ما كتب لجنادة الأزدي وقومه ومن تبعه: "ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة أو أطاعوا الله ورسوله وأعطوا من المغانم خمس الله وسهم النبي وفارقوا المشركين فإن لهم ذمة الله وذمة محمد بن عبد الله"27.
ط - وفي ما كتب لبني معاوية بن جرول الطائيين: "لمن أسلم منهم وأقام الصلاة وأتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من المغانم خمس الله
176
وسهم النبي وفارق المشركين وأشهد على إسلامه أنه آمن بأمان الله ورسوله وأن لهم ما أسلموا عليه"28.
وكتاب آخر لبني جوين الطائيين، أو أنه رواية أخرى للكتاب الأول مع اختلاف يسير في اللفظ 29.
ي- وفي ما كتب لجهينة بن زيد: "ان لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها على أن ترعوا بناتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس، وفي التيعة والصريمة، شاتان إذا اجتمعتا فإن فرقتا فشاة شاة، ليس على أهل المثير صدقة..."30.
قال ابن الاثير في نهاية اللغة: "التبعة: اسم لأدنى ما يجب فيه الزكاة". و"الصريمة: القطيع من الابل والغنم".
وقال: "المراد بها - أي بالصريمة - في الحديث في مائة وأحد وعشرين شاة إلى المائتين، إذا اجتمعت ففيها شاتان وإن كانت لرجلين وفرق بينهما ففي كل واحدة منها شاة " انتهى.
177
وأهل المثير: أهل بقر الحرث الذي يثير الأرض وليس عليهم فيه صدقة.
ك - وقد ورد في بعض كتب الرسول ذكر "الصفي" بعد لفظ سهم النبي مثل ما ورد في كتابه لملوك حمير الآتي: "أما بعد فإن الله هداكم هدايته إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة من المغانم خمس الله وسهم النبي وصفيه وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة... " الكتاب31.
ل - وما ورد في كتابه لبني ثعلبة بن عامرة: "من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وخمس المغنم وسهم النبي والصفي فهو آمن بأمان الله "الكتاب32.
م - وما ورد في كتابه لبني زهير العكليين: "أنكم إذ شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وأديتم الخمس
178
من المغنم وسهم النبي وسهم الصفي، أنتم آمنون بأمان الله"، الكتاب33.
ن - وما ورد في كتابه لبعض افخاذ جهينة: "من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع الله ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس وسهم النبي الصفي"34.
إن الصفي في هذه الكتب ويجمع على الصفايا، هو كل ما كانت خالصة لرسول الله من أموال وضياع وعقار، بالإضافة إلى سهمه من الخمس كما شرحناه سابقا.
وعدا ما أوردنا في ما سبق ورد ذكر الخمس أيضا في كتابين آخرين نسبا إلى، رسول الله لم نعتمدهما لما ورد في الأول أنه كتبه لعبد يغوث من بلحارث35.
ولم يكن الرسول يكتب "لعبد يغوث" ويغوث اسم صنم، بل كان يغير أسماء كهذا مثل عبدا لعزّى الذي بذله بعبد الرحمن، وعبد الحجر36.
وعبد عمرو الأصم الذي بدلهما بعبد الله37.
179
والكتاب الثاني قيل، أنه كتبه لنهثل بن مالك الوائلي38 وقد بدء فيه بلفظ "باسمك اللهم " بدلا من بسم الله الرحمن الرحيم الذي كان الرسول يبدء به كتبه.
في ما مر من كتب وعهود عندما كتب الرسول لسعد هذيم "أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أو من يرسلاه" لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم حرب اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحق في أموالهم من خمس وصدقة.
وكذلك في ما كتب لجهينة أن يشربوا ماء الأرض، ويرعوا أكلاءها على أن يؤدوا الخمس والصدقة لم يشترط للخوض في الحرب واكتساب الغنائم دفع الخمس، بل جعل دفع الخمس والصدقة شرطا للانتفاع من مرافق الأرض أي علمهم الحكم الإسلامي في ما يكسبون.
وكذلك عندما علم وفد عبد القيس أن يدفعوا الخمس من المغنم ضمن تعليمهم جملا من الأمر ان عملوا بها دخلوا الجنة لم يطلب منهم وهم لا يستطيعون الخروج من حيهم في غير الأشهر الحرم من خوف المشركين أن يدفعوا اليه خمس غنائم حرب يخوضونها ضد المشركين وينتصرون فيها، بل طلب منهم دفع خمس أرباحهم.
وكذلك في ما كتب من عهد لعامله عمرو بن حزم أن يأخذ الصدقات والخمس من قبائل اليمن، لم يعهد اليه أن يأخذ خمس غنائم حرب اشتركت القبائل فيها، وكذلك في ما كتب لتلك القبائل أو غيرها أن يدفعوا الخمس، وما كتب لغير عمرو بن حزم من عماله أن يأخذوا
180
الخمس من القبائل، إن شأن الخمس في كل تلك الكتب والعهود شأن الصدقة فيها وهما حق الله في أموالهم حسبما فرضه الله في أموالهم.
ويؤكد ما ذكرناه من أن الخمس فيها ليس خمس غنائم الحرب ويوضحه، أن حكم الحرب في الإسلام يخاف ما كان عليه لدى القبائل العربية قبل الإسلام في أن يكون لكل مجموعة أو فرد الاختيار في الاغارة على غير أفراد القبيلة وغير حلفائها لنهب أموالهم كيف ما اتفق، وأنه عند ذاك يملك كل فرد ما نهب وسلب وحرب، وما عليه سوى دفع المرباع للرئيس، ليس الأمر هكذا في الاسلام ليصح للنبي أن يطالبهم بالخمس بدل الربع في ما يثيرون من حرب على غيرهم، لا، ليس لفرد مسلم في الاسلام ولا لجماعة اسلامية فيه أن يعلن الحرب على غير المسلم من تلقاء نفسه ويسلب وينهب كما يشاء ويقدر! وإنما الحاكم الإسلامي هو الذي يقدر ذلك ويقرر وفق قوانين الشرع الاسلامي،والفرد المسلم ينفذ قراره، ثم أن الحاكم الاسلامي بعد ذلك، أو نائبه، هما اللذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب، ولا يملك أحد الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً مما سلب، وإنما يأتي كل غاز بما سلب إليهما،وإلا من الغلول العار على أهله وشنار ونار يوم القيامة، والحاكم الاسلامي هو الذي يعين بعد إخراج الخمس للراجل سهمه وللفارس سهمه، ويرضخ للمرأة، وقد يشرك الغائب عن الحرب في الغنيمة ويعطى للمؤلفة قلوبهم إضعاف سهم المؤمن المجاهد.
وإذا كان اعلان الحرب واخراج خمس غنائم الحرب على عهد النبي من شؤون النبي في هذه الأمة فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده ذلك في كتاب بعد كتاب وعهد بعد عهد إذ لم يكن الخمس في تلك
181
الكتب والعهود مثل الصدقة مما يجب في أموال المخاطبين وليس خاصاً بغنائم الحرب.
وعلى هذا فلا بدّ إذاً من حمل لفظ الغنائم والمغنم في تلك الكتب والعهود على معناهما اللغوي: "الفوز بالشيء بلا مشقة"، أو معناهما الشرعي: "ما ظفر به من جهة العدى وغيره".
أضف إلى هذا ما ذكرناه بتفسير الغنيمة في أول البحث، من أن الغنيمة أصبحت حقيقة في غنائم الحرب في المجتمع الاسلامي بعد تدوين اللغة لا قبله. ولا يصح مع هذا، حمل ما ورد في حديث الرسول على ما تعارف عليه الناس قرابة قرنين بعده، وأما ما ورد في بعض تلك الكتب والعهود بلفظ (حظ الله وحظ الرسول)، أو(احق النبي)، أو(سهم النبي)وما شابهها، فان تفسيرها في الآية الكريمة ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول ...﴾ وفي السنة النبوية التي تبين هذه الآية وتشرحها حيث تعينان سهم الله وسهم النبي في " المغنم " وهو الخمس وهو أيضاً حقهما وحظهما.
وبعدما ثبت مما أوردناه في ما سبق أن النبي كان يأخذ الخمس من غنائم الحرب ومن غير غنائم الحرب، ويطلب ممن أسلم أن يؤدي الخمس من كل ما غنم عد ا ما فرض فيهن الصدقة، بعد هذا نبحث في ما يلي عن مواضع الخمس.
مواضع الخمس في الكتاب والسنة
في القرآن الكريم:
نصت آية الخمس أن الخمس لله، ولرسوله، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.
182
فمن هم ذو القربى؟ ومن هم من ذكروا بعده ؟
أ- ذو القربى:
إن شأن ذي القربى، والقربى، وأولي القربى، في الكلام شأن الوالدين فيه، فكما أن "الوالدين " أين ما ورد في الكلام قصد منه والدا المذكورين قبله ظاهرا أو مضمراً أو مقدراً، كذلك القربى وأولوه وذووه فمثال المذكور منها ظاهرا قبله في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى ...﴾39.
فالمراد من " أولي القربى" هنا أولو قربى النبي والمؤمنين المذكورين ظاهرا قبل "أولي القربى".
ومثال المذكور مضمرا قوله تعالى: ﴿... وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ...﴾40، والمراد من ذي القربى هنا قربى مرجع الضمير في "قلتم " و"اعدلوا".
ومثال المذكور مقدرا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى ...﴾41. والمراد قربى الميت المقدر ذكره في ما سبق من الآية، وكذلك شأن سائر ما ورد فيه ذكرى ذي القربى وأولي القربى في القرآن الكريم.
وقد جمع الله في الذكر بين الوالدين وذي القربى في مكانين منهما، قال سبحانه: ﴿... وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾42.
في الآية الأولى قصد والدا بني اسرائيل وذوو قرباهم والمذكور
183
ظاهراً قبلهما، وفي الآية الثانية قصد والدا مرجع الضمير وذووه في(واعبدوا) و(ولا تشركوا ) وهم المؤمنون من هذه الأمة.
وإذا ثبت هذا فنقول: لما قال الله سبحانه في آية الخمس ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾ فلا بد أنيكون المراد من "ذي القربى" هنا ذا قربى الرسول المذكور قبله بلا فاصلة بينهما، وإن لم يكن هذا فذا قربى من قصد الله في هذا المكان؟
وكذلك المقصود من ذي القربى في قوله تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ...﴾43 هم قربى الرسول وهو الاسم الظاهر المذكور قبله.
وكذلك المقصود من القربى في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾44 هم قربى ضمير فاعل "اسألكم " وهو الرسول45.
ب – اليتيم:
اليتيم هو الذي مات أبوه وهو صغير قبل البلوغ.
ج - المسكين:
المسكين هو المحتاج الذي تسكنه الحاجة عما ينهض به الغني.
184
د - ابن السبيل:
ابن السبيل هو ألمسافر المنقطع به سفره46.
ويدل سياق آية الخمس على أن المقصود يتامى أقرباء الرسول ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وأن شأن هذه الألفاظ في الآية، شأن "ذي القربى" المذكور قبلها.
مواضع الخمس في السنة ولدى المسلمين
كان يقسم - الخمس - على ستة: لله وللرسول سهمان وسهم لأقاربه حتى قبض47.
وعن ابي العالية الرياحي: كان رسول الله يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة تكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقى على خمسة اسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل.
قال: والذي جعله للكعبة هو سهم الله48.
تصرح هاتان الروايتان أن الخمس كان يقسم ستة أسهم وهذا هو الصواب لموافقته لنص أية الخمس. وما في رواية أبي العالية بأن الرسول كان يجعل سهم الله للكعبة، لعله وقع ذلك مرة واحدة، وأرى الصواب في
185
ذلك ما رواه عطاء بن أبي رباح قال: "خمس الله وخمس رسوله واحد وكان رسول الله يحمل منه ويعطى منه ويضعه حيث شاء ويضع به ما شاء49.
ومثلها ما رواه ابن جريج قال: "... أربعة أخماس لمن حضر البأس والخمس الباقي لله ولرسوله خمسة يضعه حيث شاء وخمس لذوي القربى... الحديث"50.
الصواب في رواية أبي العالية وابن جريج ما ورد فيهما أن أمر سهم الله وسهم رسوله من الخمس كان إلى رسول الله يحمل منهما ويعطي منهما ويضعهما حيث شاء ويصنع بهما ما شاء. أما ما يفهم من الروايتين أن "سهم الله وسهم الرسول واحدا " فانه يخالف ظاهر آية الخمس حيث قسم الله فيها الخمس الى ستة أسهم، إلا إذا قصدوا أن أمر السهمين واحد ولم يقصدوا أن السهمين سهم واحد.
وكذلك لا يستقيم ما روا. قتادة قال: كان نبي الله إذا غنم غنيمة جعلت أخماسا فكان خمس لله ولرسوله ويقسم المسلمون ما بقي،وكان الخمس الذي جعل لله ولرسوله، لرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس، خمس لله ولرسوله. الحديث51.
186
ويظهر من رواية ابن عباس في تفسير الطبري أن جعل السهمين سهماً واحداً كان بعد النبي، قال: "جعل سهم الله وسهم الرسول واحداً، ولذي القربى فجعل هذان السهمان في الخيل والسلاح"52.
وروى الطبري - أيضا - عن مجاهد أنه قال: كان آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس53.
وقال: قد علم الله أن في بني هاشم الفقراء نجعل لهم الخمس مكان الصدقة54.
وقال: هؤلاء قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة55.
وقال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام: أما قرأت في الانفال: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية.
قال: نعم.
قال: فانكم لأنتم هم؟
قال: نعم56.
كان هذا تفسير لفظ "ذي القربى" الوارد في آية الخمس وغيرها؟ أما اليتامى والمساكين، فقد قال النيسابوري في تفسير الآية: روي عن علي بن
187

يتبع
22-03-2017 05:25 PM
عباس محمد س الزكاة والصدقة
الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح1 مثل قوله تعالى: ﴿... أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ...﴾2 أي أطهر، وما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "زكاة الأرض يبسها"3 أي طهارتها يبسها. وقول الإمام علي عليه السلام: "العلم يزكو على الانفاق"4 أ أي ينمو، وقولهم: "زكا الزرع"5 إذا حصل منه نمو وبركة، وقوله تعالى: ﴿... الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ...﴾6 أي يمدحونها.

في الشرع: ما يخرجه الانسان من حق الله تعالى إلى مستحقيه، وتسميته بذلك لما يكون فيها رجاء البركة أو لتزكية النفس أي تنيمتها بالخيرات والبركات أو لما جميعاً فإن الخيرين موجدان فيها7.

وزكى أذى زكاة ماله.

هذا ملخص ما ذكره أهل اللغة في بيان معنى الزكاة8.

161

أما الصدقة: فقد قال الراغب في مفرداته: "الصدقة ما يخرجه الانسان من ماله على وجه القربة كالزكاة لكن الصدقة تقال في الأصل للمتطوع به والزكاة للواجب"9.

وقال الطبرسي في مجمع البيان: "الفرق بين الصدقة والزكاة أنَّ الزكاة لا تكون إلاَّ فرضاً، والصدقة قد تكون فرضاً وقد تكون نفلاً"10.

ومن ثم نرى أن الزكاة لوحظ فيها معنى الوجوب وقصد منها حق الله في المال كما لوحظ في الصدقة التطوع، إي إعطاء المال قربة إلى الله تعالى وتد تلحظ فيها الرحمة على المعطى له مثل قول إخوة يوسف: ﴿... وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ...﴾11.

وبما أنّ الزكاة لوحظ فيها الوجوب أي حق الله في المال نرى أنها تشمل أنواع الصدقات الواجبة والخمس الواجب وغيرها من كل ما كتب الله على الإنسان في المال.

ويشهد لهذا ما ورد في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لملوك حمير: "وآتيتم الزكاة من المغانم خمس الله وسهم النبي وصفيه وما كتب الله على المؤمنين من الصدقة"12.

فان لفظ "من" بعد الزكاة لبيان أنواع الزكاة المذكورة بعدها وهي:

162

أ- من المغانم خمس الله.
ب- سهم النبي وصفيه.

ج- ما كتب الله على المؤمنين من الصدقة. أي القسم الواجب من الصدقة.

وهكذا جعل الصدقة الواجبة قسما واحدا من أقسام الزكاة. وقد حصر الله الصدقة بالمواضع الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿... إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ...﴾13 ولم يحصر الزكاة بمورد ما، وقرنها بالصلاة في خمس وعشرين آية من كتابه الكريم14، وكلما قرنت الزكاة بالصلاة في كلام الله وكلام رسوله قصد منها مطلق حق الله في المال والذي منه: حقه في ما بلغ النصاب من النقدين والأنعام والغلّات أي الصدقات الواجبة، ومنا حقه في المغانم أي الخمس، وحقه في غيرهما.

وإذ قرنت في كلامهما بالخمس، قصد منها الصدقات الواجبة خاصة. وكذلك إذا أضيفت في الكلام إلى احد موارد أصناف الصدقة مثل "زكاة الغنم" أو "زكاة النقدين" قصد منها عند ذاك أيضا صدقاتها الواجبة. ويسمى العامل على الصدقة في الحديث و السيرة بالمصدق15 و لا يقال "المزكي" ويقال لمعطي الصدقة "المتصدق"16 ولا يقال المزكي أو

163

المتزكي و"الصدقة" هي التي حرمت على بني هاشم17 وليست الزكاة، ولم ينتبه مسلم إلى هذا وكتب في صحيحه "باب تحريم الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى اله... "18، وأورد في الباب ثمانية أحاديث تنصّ على حرمة الصدقة عليهم وليست الزكاة كما قال، وعلى هذا فكل ما ورد في القران الكريم من أمثال قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ﴾19، فهو أولاً أمر بإقامة كل ما يسمى صلاة سواء اليومية منها أو صلاة الآيات أو غيرهما. وثانيا أمر بأداء حق الله في المال سواء حقه في موارد الصدقة الواجبة، أو حقه في موارد الخمس أو في غيرهما.

وكذلك المقصود في ما روي عن رسول الله انه قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك"20، انك إذا أديت حق الله في مالك أي جميع حقوق الله في المال فقد قضيت ما عليك، وكذلك ما روي عنه انه قال: "من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول الحول"21، أي لا حق لله في ماله. وورد في أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السلام: "وحق في الأموال الزكاة"22. ولعل سبب خفاء ذلك على الناس، أن الخلفاء لما اسقطوا الخمس بعد رسول الله ولم يبق مصداق للزكاة في ما يعمل به غير الصدقات، نسي الخمس متدرجاً، ولم يتبادر إلى الذهن من الزكاة في العصور الأخيرة غير الصدقات !.
164

هوامش
1- راجع مادة (زكا) من نهاية اللغة لابن الاثير.
2- سورة الكهف، الآية: 19.
3- بمادة زكا من نهاية اللغة.
4- نهج البلاغة، كتاب الحكم، العدد 147.
5- مادة زكا من مفردات الراغب.
6- سورة النساء، الآية: 49.
7- راجع مادة زكا من مفردات الراغب.
8- راجمنا في هذا وما يأتي بترجمة المصطلحات الآتية الراغب في مفرداته، وابن الأير في نهاية اللغة، وابن منظور في لسان العرب ،والقاموس وشرحه مضافاً إلى تفاسير القران مثل تفسير الطبري والطبرسي وغيرهما.
9- بمادة صدق.
10- مجمع البيان ج 1/ 384بتفسير الآية 272من سورة البقرة.
11- سورة يوسف، الآية: 88.
12- يأتي ذكر مصادر الكتاب في ما بعد إن شاء الله.
13- سورة التوبة ؟ الآية: 60.
14- راجع مادة الزكا من المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم.
15- راجع مادة صدق بمفردات الراغب ونهاية اللغة ولسان العرب.
16- قال الله تعالى {ان المصدقين المصدقات} الحديد/ 18 0 وقال: { والمتصدقين والمتصدقات } الأحزاب / 35، وراجع أبواب الزكاة في صحيح مسلم 3/172 ،وسنن أبي داود 1/ 202. والترمذي 3/ 172. ولا يعبأ بما ورد عند بعض المتأخرين مثل المتقي في كنز العمال.
17- يأتي تفصيله في ما بعد إن شاء الله.
18- صحيح مسلم 3/ 117.
19- راجع مادة الزكاة في المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم.
20- سنن الترمذي 3/ 97باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك.
21- سنن الترمذي 3/ 125 باب ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول.
22- الكافي 2/ 19 و20، وتفسير العياشي 1/ 252، والبحار 68/ 337و389.



يتبع
22-03-2017 05:24 PM
عباس محمد س صلاة التراويح
وذلك أن صلاة التراويح ما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا كانت على عهده بل لم تكن على عهد أبي بكر ولا شرع الله الاجتماع لأداء نافلة من السنن غير صلاة الاستسقاء.

وانما شرعه في الصلوات الواجبة كالفرائض الخمس اليومية،وصلاة الطواف، والعيدين، والآيات، وعلى الجنائز.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقيم ليالي رمضان بأداء سننها في غير جماعة، وكان يحض على قيامها، فكان الناس يقيمونها على نحو ما رأوه صلى الله عليه وآله وسلم يقيمها.

وهكذا كان الأمر على عهد أبي بكر حتى مضى لسبيله سنة ثلاثة عشرة للهجرة1 وقام بالأمر بعده عمر بن الخطاب، فصام شهر رمضان من تلك السنة لا يغير من قيام الشهر شيئاً، فلما كان شهر رمضان سنة أربع عشرة أتى المسجد ومعه بعض أصحابه، فرأى الناس يقيمون النوافل وهم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد وقارئ ومسبح ومحرم بالتكبير ومحل بالتسليم في مظهر لم يرقه، ورأى من واجبه اصلاحه فسن لهم التراويح2

155

أوائل الليل من الشهر وجمع الناس عليها حكماً مبرماً، وكتب بذلك الى البلدان ونصب للناس في المدينة إمامين يصليان بهم التراويح إماماً للرجال وإماماً للنساء. وهذا كله أخبار متواترة.

وحسبك منها ما أخرجه الشيخان في صحيحهما3 من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قام رمضان - أي بأداء سننه - إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم توفي والأمر كذلك - أي وأمر القيام في شهر رمضان لم يغير عما كان عليه قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم - ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر.

وأخرج البخاري في كتاب التراويح أيضاً من الصحيح عن عبد الرحمن بن عبد القاري4 قال: خرجت مع عمر ليلة في رمضان الى المسجد فإذا الناس أوزع متفرقون، إلى أن قال: فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نعمت البدعة هذه...

قال العلامة القسطلاني في أول الصفحة الرابعة من الجزء الخامس من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري عند بلوغه الى قول عمر في

156

هذا الحديث: نعمت البدعة هذه، ما هذا لفظه: سماها بدعة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يسن لهم، ولا كانت ي زمن الصديق رضي الله عنه ولا أول الليل، ولا هذا العدد... الخ، وفي تحفة الباري وغيره من شرح البخاري مثله فراجع.

وقال العلامة أبو الوليد محمد بن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر ي حوادث سنة 23 من تاريخه - روضة المناظر -: هو أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد،وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز،وأول من جمع الناس من إمام يصلي بهم التراويح... الخ.

ولما ذكر السيوطي في كتابه - تاريخ الخلفاء - أوليات عمر نقلاً عن العسكري5 قال: هو أول من سمي أمير المؤمنين، وأول من سن قيام شهر رمضان - بالتراويح - وأول من حرم المتعة،وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات... الخ.

وقال محمد بن سعد - حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات -: وهو أول من سن قيام شهر رمضان - بالتراويح - وجمع الناس على ذلك، وكتب به الى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للناس بالمدينة قارئين، قارئاً يصلي التراويح بالرجال، وقارئاً يصلي بالنساء... الخ.

وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر من الاستيعاب: وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه.

كان هؤلاء عفا الله عنهم وعنا، رأوه رضي الله عنه قد استدرك

157

(بتراويحه) على الله ورسوله حكمة كانا عنها غافلين، بل هم بالغفلة - عن حكمة الله في شرائعه ونظمه - أحرى.

وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سن شهر رمضان وغيرها انفراد مؤديها - جوف الليل في بيته - بربه عز وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه، ويناجيه بمهماته مهمة مهمة حتى يأتي على أخرها ملحاً عليه، متوسلاً بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأ من الله تعالى إلاَّ إليه، ولا منجى منه إلاَّ به.

لهذا ترك الله السنن حرة من قيد الجماعة ليتزودوا فيها من الانفراد بالله ما أقبلت قلوبهم عليه، ونثطت أعضاؤهم له، يتقل منهم ما يستقل، ويستكثر من يستكثر، فانها خير موضوع، كما جاء في الأثر عن سيد البشر.

أما ربطها بالجماعة فيحدُّ من هذا النفع، ويقلل من جدواه.

أضف إلى هذا أن إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظها من البركة والشرف بالصلاة فيها» ويمسك عليها حظها من تربية الناشئة على هبها والنشاط لها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والأمهات والأجداد والجدات» وتأثيره ني شد الأبناء إليها شداً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد سأل عبد الله بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من السجد فلأن أصلي في بيتي أحب إليَّ من أن أصلي في المسجد إلاَّ أن تكون صلاة مكتوبة. رواه احمد، وابن ماجة، وابن خزيمة في صحيحه كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للامام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري.

158

وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة، رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت، أخرجه البخاري ومسلم.

وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته، وان الله جاعل في بيته من صلاته خيرا. رواه مسلم وغيره، ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالإسناد إلى أبي سعيد، والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الاملاء.

لكن الخليفة رضي الله عنه رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يحصى من فوائدها الاجتماعية التي أشبع القول علماؤنا الاعلام ممن عالجوا هذه الأمور بوعي المسلم الحكيم وأنت تعلم أن الشرع الإسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل اختص الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الأخر من مصالح البشر﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ..﴾.
159

هوامش
1- وكان ذلك ليلة الأربعاء لثمان بقين من ج 2وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
2- التراويح هي النافلة جماعة في ليالي شهر رمضان، وانما سميت تراويح للاستراحة فيها بعد كل أربع ركعات، ونحن الامامية لا تفوتنا والحمد لله نؤديها كما كان يؤديها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كماً وكيفاً عملاً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي.
3- فراجع من صحيح البخاري كتاب صلاة التراويح ص 233 من جزئه الأول. وراجع من صحيح مسلم باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح من كتاب صلاة المسافرين وقصرها ص 283والتي بعدها من جزئه الأول.
4- عبد القاري بتنوين عبد وتشديد ياء القاري نسبة إلى قارة وهو ابن ديش بن ملحم بن غالب المدني. كان هذا عامل عمر على بيت المال وهو حليف بني زهرة. روى عن عمر وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة. وروى عنه ابنه محمد، والزهري، ويحيى بن جعدة بن هبيرة. مات سنة ثمانين وله ثمان وسبعون سنة.
5- العسكري هوا لحسن بن عبد الله بن سهيل بن سعيد بن يحيى يكنى أبا اللغوي له كتاب الأوائل فرغ من تأليفه يوم الأربعاء لعشر خلت من شعبان سنة 395.



يتبع
22-03-2017 05:23 PM
عباس محمد س صلاة الجنائز
وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمكان يكبر على الجنائز خمساً، لكن الخليفة الثاني راقه أن يكون التكبير في الصلاة عليها أربعاً فجمع الناس على الأربع، نص على ذلك جماعة من أعلام الأمة كالسيوطي ( نقلاً عن العسكري) حيث ذكر أوليات عمر من كتابه " تاريخ الخلفاء" وابن الشحنة حيث ذكر وفاة عمر سنة 23من كتابه " روضة المناظر" المطبوع في هامش تاريخ ابن الاثير وغيرهما من اثبات المتتبعين.

وحسبك ما في كتاب الديمقراطية لمؤلفه الاستاذ محمد خالد مما أوردناه آنفاً في مبحث الطلاق الثلاث فراجع.

وقد أخرج الامام أحمد من حديث زيد بن أرقم عن عبد الأعلى، قال: صليت خلف زيد بن أرقم على جنازة فكبر خمساً، فقام اليه أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى فأخذ بيده فقال: أنسيت ؟ قال: لا، ولكني صليت خلف أبي القاسم خليلي صلى الله عليه وآله وسلم فكبر خمساً فلا أتركه أبداً. انتهى1.

قلت: وصلى زيد بن أرقم على سعد بن جبير المعروف بعد بن حبتة وهي أمه، وهو من الصحابة، فكبَّر على جنازته خمساً، فيما رواه ابن حجر في ترجمة سعد من اصابته. ورواه ابن قتيبة في أحوال أبي يوسف من معارفه، وكان سعد هذا جد أبي يوسف القاضي.

153

وأخرج الامام أحمد من حديث حذيفة من طريق يحيى بن عبد الله الجابر، قال: صليت خلف عيسى مولى الحذيفة بالمدائن على جنازة فكبر خمساً، ثم التفت الينا فقال: ما وهمت ولا نسيت ولكن كبرت كما كبر مولاي وولي نعمتي حذيفة بن اليمان صلى على جنازة وكبر خمساً ثم التفت الينا فقال: ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الحديث)2.
154

هوامش
1- راجعه في ص:370 من الجزء الرابع من المسند.
2- راجعه في أول ص 406 من الجزء الخامس من المسند. ورواه الحافظ الذهبي في ترجمة يحيى بن عبد الله الجابر من ميزان الاعتدال عن جرير الضبي عن يحيى الجابر.



يتبع
22-03-2017 05:22 PM
عباس محمد س تقصير المسافر وإفطاره
تشريع التقصير

تقصد الفرائض الرباعية في السفر إلى ركعتين، سوا، أكان ذلك في حال الخوف أم كان في حال الأمن، إجماعا من الأمة المسلمة وقولاً واحداً.

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ...﴾1.

وعن يعلي بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد أمن الناس. فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال صلى الله عليه وآله وسلم: صدقة تصدق الله بها عليكم فأقبلوا صدقته. أخرجه مسلم في صحيحه.

وعن ابن عمر - فيما أخرجه مسلم في الصحيح أيضا - قال: إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. ثم صحبت عثمان فلم يزد

139

على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ...﴾2.

وعن أنس بن مالك - فيما أخرجه الشيخان في صحيحيهما - قال:خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.

وعن ابن عباس. فيما أخرجه البخاري في صحيحه - قال: أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة تسعة عشر يقصر، الحديث. قلت: وإنما قمر مع إقامته تسعة عشر يومأ لعدم نية الإقامة.

وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يصلي بأهل مكة إماما بعد الهجرة فيسلم في الرباعيات على رأس الركعتين الأوليين، وكان قد تقدم إلى القوم بأن يتموا صلاتهم أربع ركعات معتذرا عن نفسه وعمن جاء معه بأنهم قوم سفر.

وروى ابن أبي شيبة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إن خيار أمتي من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،والذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا وإذا سافروا قصروا".

وعن أنس - فيما أخرجه ملم في صحيحه من طريقين - قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر في المدينة أربعا وصليت معه العصر بذي الحلية - مسافرا - ركعتين، إلى كثير من الصحاح الصراح بأن الله عز وجل قد شرع التقصير في السفر.

140

تشريع الإفطار

لا كلام في أن الله عز وجل شرع الإفطار في شهر رمضان لكل من سافر فيه سفرا تقصر فيه الصلاة ،وهذا القدر مما أجمعت الأمة المسلمة عليه ،والكتاب والسنة يثبتانه بصراحة.

قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ...﴾ 3 الآية.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سافر في شهر رمضان يفطر ويعلن للناس إفطاره، وقد عد الصوم في السفر معصية وأكدها وقال: "ليس من البر أن تصوموا في السفر"، وستسمع ذلك كله بنصه صلى الله عليه وآله وسلم .

وجاء في حديث آبي قلابة - وهو في الصحاح - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل من بني عامر: "إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطره الصلاة".

ومن تتبع السنن وأقوال الأئمة حول صلاة المسافر وصومه وجد النص والفتوى وإجماع الأمة على أن القصر والإفطار سفرا مما شرعه الله عز وجل في دين الإسلام، وان المقتضي من السفر لأحدهما هو بعينه المقتضي للآخر بلا كلام.

حكم التقصير

اختلف أئمة المسلمين في حكم القصر في السفر على أقوال:

فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه وهذا قول

141

الإمامية تبعا لأثمتهم، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون بأسرهم4.

ومنهم من رأى القصر والإتمام كلاهما فرض على التخيير كالخيار في واجب الكفارة، وهذا قول بعض أمحاب الشافعي.

ومهم من رأى أن القصر سنة مؤكدة، وهذا قول مالك في أشهر الروايات عنه.

ومنهم من رأى أن القصر رخصة وأن الإتمام أفضل، وبه قال الشافعي في أشهر الروايات عه، وهو المتصور عند أصحابه.

والحنابلة قالوا بجواز القصر وهو أفضل من الإتمام ولا يكره الإتمام.

حجتنا

احتج الامامية لوجوب التقصير بصحاح من طريق الجمهور، ونصوص ثابتة عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام.

فمن صحاح الجمهور: ما أخرجه مسلم - في كتاب صلاة المسافرين وقصرها من صحيحه - عن ابن عباس من طريقين قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.

وهذا صريح بأن المسافر إنما أمر بأداء الظهر والعصر والعشاء

142

ركعتين، كما أن الحاضر إنما أمر بأدائها أربع ركعات، وإذاً لا تصح من المسافر إلا أن تكون ركعتين حسبما فرضت عليه، كما لا تصح من الحاضر إلا أن تكون أربعا كما فرضت عليه لأن صحة العبادة إنما هي مطابقتها للأمر.

وفي صحيح مسلم أيضا، بالإسناد إلى موسى بن سلمة الهذلي، قال: سألت ابن عباس كيفه أصلي بمكة - مسافرا -؟ فقال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم .

فأرسل الجواب بكونها ركعتين، وكونها سنَّة أبي القاسم ارسال المسلمات ،وهذا من الظهور بتعيين القصر بمثابة لا تخفى على أهل العرف.

وأخرج مسلم أيضا في صحيحه من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن الصلاة فرضت أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: انها تأوَّلت كتأول عثمان.

وفي صحيح مسلم عن عائشة من طريق آخر قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ثم أتمها في الحضر فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى.

قلت: من البديهي إذا كان هذا صحيحا أن لا تصح من المسافر رباعية إذا لم يتوجه إليه من الشارع أمر بها، وإنما أمر من أول الأمر بأدائها ركعتين وأقرها الله على ذلك فلو.أداها المسافر أربعا كان مبتدعا، كما لو أدى فريضة الصبح أربعا، وكما لو أدى الحاضر فرائضه الرباعيات مثنى مثنى مثنى.

143

ومن نصوص أئمة الهدى عليهم السلام، ما صح عن زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم إذ سألا الإمام أبا جعفر الباقر عليه السلام: فقالا له: ما تقول في الصلاة في السفر؟ كيف هي، وكم هي؟ قال: إن الله سبحانه يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَة﴾5.

فالتقصير واجب في السفر كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا انه قال: "لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة"، ولم يقل: قصروا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام ؟ قال: أوليس قال تعالى في الصفا والمروة: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾6 ألا ترى أن الطواف واجب مفترض لأن الله تعالى ذكره في كتابه، وصنعه نبيه، وكذا التقصير في السفر شي، صنعه رسول الله وذكره الله في الكتاب، قالا: قلنا فمن صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا؟ قال: "إن كانت قرأت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرأت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه" قال عليه السلام: "والصلاة في السفر كل فريضة ركعتان إلاَّ المغرب فإنها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول صلى الله عليه وآله وسلم في السفر والحضر ثلاث ركعات".

قال الإمام الطبرسي بعد إيراد هذا الخبر: وفي هذا دلالة على أن فرض المسافر مخالف لفرض المقيم. قال: وقد أجمعت الطائفة على ذلك، وأجمعت على أنه ليس بقصر، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "فرض المسافر ركعتان غير قصر"، انتهى ما قلناه عن مجمع البيان.

وفي الكشاف حول آية التقصير، قال: وعند أبي حنفية القصر في

144

السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره. قال: وعن عمر بن الخطاب صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم7.

حجه الشافعي ومن لا يوجب القصر

احتجوا بأمور:

أحدها: الظاهر من قوله تعالى: ﴿... فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ ...﴾8. لان الجناح وهو الإثم إنما يوجب بمجرده الإباحة لا الوجوب.

وقد عرفت الجواب بنص الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام، وكأن الناس يومئذٍ ألفوا الإتمام فكانوا - كما أفاده الإمام الزمخشري في كشافه - مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

ثانيها: أن عثمان وعائشة كانا يتمان في السفر.

والجواب: أنهما تأولا أدلة التقصير فأخطآ، وقد فسر بعض علماء الجمهور تأولهما هذا بأن عثمان كان أمير المؤمنين وعائشة كانت أمهم فهما من سفرهما في حضر مستمر، على اعتبار أنهما حيث ما كانا مسافرين فهما في أهل ودار ووطن، وهذا اجتهاد طريف نرى وجه الطرافة فيه بانكشافه عن غربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في دنيا المؤمنين إذ لم يرو عنه في السفر التقصير وكذلك أبو بكر وعمر وعلي غربا، لهم الله على هذا الأساس.

145

ثالثها: أحاديث مشهورة أخرجها مسلم في صحيحه صريحة بأن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون منهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم في شهر رمضان، ومنهم المفطر فيه لا يعيب بعضهم على بعض.

والجواب: ان هذه الأحاديث لم يثبت شي، منها عن طريقنا على أنها تعارض صحاحنا المروية عن أئمتنا أعدال الكتاب، بل تعارض نفسها بنفسها كما يعلمه الملم بها وكما ستسمعه قريبا إن شاء الله تعالى.

وما من شك في أن حديث الأوصياء من آل محمد عليهم السلام هو المقدم في مقام التعارض، ولا سيما بعد تأييده بثلة من صحاح الجمهور.

حكم الإفطار

اختلف فقهاء الإسلام في حكم الإفطار في السفر، فذهب الجمهور إلى أنه رخصة، وأن المسافر إذا صام صح صومه وأجزأه مستدلين على ذلك بأحاديث أخرجها مسلم في صحيحه.

فمنها: ما عن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام، ومنا من أفطر، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.

وعنه: من طريق آخر قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره.

والجواب: أن هذه الأحاديث - لو فرض صحتها - فهي منسوخة لا محالة بصحاح من طريق الجمهور، وصحاح آخر من طريقنا عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.

146

وإليك ما صح في هذا الباب من طريق غيرنا عن جابر بن عبد الله قال - كما في صحيح مسلم -: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: ان بعض الناس قد صام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أولئك العصاة أولئك العصاة.

وأخرج عن جابر أيضا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه وقد ظلل عليه فقال: ما له ؟ قالوا: صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس من البر أن تصوموا في السفر".

وإنما قلنا ان هذه السنن ناسخة لتلك لتأخر صدورها عنها باعتراف الجمهور، ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم وغيره، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عام الفتح فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال: وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره.

وعن الزهري - كما في صحيح مسلم وغيره - بهذا الإسناد مثله. قال الزهري: وكان الفطر آخر الأمرين، وإنما يؤخذ أمر رسول الله بالآخر فالآخر.

وعن ابن شهاب - كما في صحيح مسلم وغيره بهذا الإسناد أيضاً مثله. قال ابن شهاب: كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم.

ومجمل الأمر أنه لو فرض صحة صوم البعض من أصحابه في السفر معه فإنما كان ذلك قبل التزامهم بالإفطار وقبل قوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس من البر أن

147

تصوموا في السفر، وقبل قوله صلى الله عليه وآله عن الصائمين: أولئك العصاة أولئك العصاة.

أما الإمامية فقد أجمعوا على أن الإفطار في السفر عزيمة، وهذا مذهب داود بن علي الامفهاني وأمحابه وعليه جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعروة بن الزبير، وهو المتواتر عن أئمة الهدى من العترة الطاهرة.

وروي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه. - كما هو مذهبنا ومذهب داود-.

وروى يوسف بن الحكم. قال: سألت ابن عمر عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل صدق فردها عليك ألا تغضب ؟ فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم فلا تردوها.

وروى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر".

وعن ابن عباس: الافطار في السفر عزيمة.

وعن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: "الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر في الحضر".

وعنه عليه السلام: "لو أن رجلاً مات صائماً في السفر لما صليت عليه".

وعنه عليه السلام: قال "من سافر أفطر وقصر، إلا أن يكون سفره في معصية الله عز وجل".

وروى العياشي بسنده إلى محمد بم مسلم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: نزلت هذه الآية ﴿... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى

148

سَفَرٍ ...﴾9 بكراع الغميم عند صلاة الهجير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باناء فيه ماء فشرب وأمر الناس أن يفطروا، فقال قوم: قد مضى النهار ولو تممنا يومنا هنا، فسماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: العصاة فلم يزالوا يسمون العصاة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وحسبنا حجة لوجوب الافطار في السفر قوله عز وجل: ﴿... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾10 فإن في الآية دلالة على وجوب الافطار من وجوه.

أحدها: أن الأمر بالصوم في الآية إنما هو متوجه للحاضر دون المسافر، ولفظه كما تراه: فمن شهد منكم الشهر - أي حضر في الشهر – فليصمه، وإذا فالمسافر غير مأمور، فصومه إدخال في الدين ما ليس من الدين تكلفا وابتداعاً.

ثانيها: ان المفهوم من قوله تعالى: ﴿... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه...﴾11 أن من لم يحضر في الشهر لا يجب عليه الصوم، ومفهوم الشرط حجة كما هو مقرر في أصول الفقه، وإذا فالآية تدل على عدم وجوب الصوم في السفر بكل منطوقها ومفهومها.

ثالثها: ان قوله عز وجل: ﴿... فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...﴾12 تقديره فعليه عدة من أيام أخر، هذا إذا قرأت الآية برفع

149

عدة، وإن قرأتها بالنصب كان التقدير فليصم عدة من أيام أخر، وعلى كل فالآية توجب صوم أيام أخر، وهذا يقتضي وجوب افطار أيام السفر إذ لا قائل بالجمع بين الصوم والقضاء، على أن الجمع ينافي اليسر المدلول عليه بالآية.

رابعها: قوله تعالى: ﴿... يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ...﴾13، واليسر هنا إنما هو الافطار كما أن العسر هنا ليس إلاَّ الصوم، وإذاً فمعنى الآية يريد الله منكم الافطار ولا يريد منكم الصوم.

قدر السفر المقتضي للتقصير والإفطار

اختلف أئمة المسلمين في تقديره، فقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم سفر ثلاثة أيام وان القصر والإفطار إنما هما لمن سافر من أفق إلى أفق14.

وقال الشافعي ومالك وأحمد وجماعة كثيرون: تقصر الصلاة ويفطر في شهر رمضان بقطع مسافة تبلغ ستة عشر فرسخا ذهابا فقط15.

وقال أهل الظاهر: القصر والإفطار في كل سفر حتى القريب.

قال ابن رشد:" في صلاة السفر من البداية والنهاية ": والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من التقصير والإفطار في السفر للفظ المنقول في هذا الباب، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر والإفطار أنه لكان المشقة فيه، وإذا كان الأمر على ذلك فإنما يكونان حيث

150

تكون المشقة، وعند أبي حنيفة لا تكون المشقة إلاَّ بقطع ثلاث مراحل، وعند الشافعي ومالك وأحمد تكون بقطع ستة عشر فرسخاً قال: وأما من لا يراعي في ذلك إلأ اللفظ فقط كأهل الظاهر فقد قالوا: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة فكل من أطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر قال: وأيدوا ذلك بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلاً.

وعلى هذا فإن أئمة المذاهب الأربعة لم يستندوا فيما حدوده من المسافة إلى دليل من أقوال النبي أو أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما استندوا إلى فلسفة أطلقوا عليها (المعنى المعقول ) وذلك ما لا يرتضيه أئمة أهل البيت ولا تطمئن إليه الامامية في استنباط الأحكام الشرعية.

وكان أهل مكة - على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر - إذ خرجوا من مكة إلى عرفات يقصرون في عرفات والمزدلفة ومنى وهذا ثابت لا ريب فيه.

وأخرج الشيخان في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج من مكة إلى عرفات قصر، وأن أبا بكر وعمر قصرا بعده. وان عثمان قصر أيضاً ثم أتم صلاته بعد ست سنين مضت من خلافته فأنكر الناس عليه16، وهذا هو

151

مستند الامام مالك من قوله بأن تقصير الحجاج في هذه الأماكن سنة مؤكدة سواء في ذلك أهل مكة وأهل الاقطار النائية، فراجع فقه المالكية17، وهذا مستندنا في التقصير بسفر مسافته ثمانية فراسخ سواء أكانت امتدادية أو كانت ملفقة من أربعة في الذهاب أو أربعة في الإياب، كالمسافة بين مكة وعرفات، وهي أقل مسافة قصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها الصلاة، وانها لحجة بالغة والحمد لله.
152

هوامش
1- سورة النساء:101
2- سورة الأحزاب:21
3- سورة البقرة:185
4- أجمع الحنفية على أن قصر الصلاة واجب على المسافر ولا يجوز له الإتمام، فإذا أتم صلاته اعتبروه آثما لتأخير السلام عن نهاية القعود المفروض وهو القعود الأول في هذه الحال، ومع ذلك فهو متنفل عندهم بالركعتين الأخيرتين، لأن الفرض إنما هو الركعتان الأوليان، ولذا يحكمون ببطلان الصلاة إن ترك القعود الأول في هذه الصورة لأنه ترك فرضا من فرائض الصلاة.
5- سورة النساء:101
6- سورة البقرة:158
7- إذا كانت صلاة السفر ركعتين وكانت بالركعتين تماما غير قصر وكان ذلك كله على لسان نبينا بشهادة عمر فكيف يصح آن تكون رباعية ؟ وهل تصح العبادة إذا وقعت على خلاف ما شرعها الله عز وجل.
8- سورة النساء:101.
9- سورة البقرة:185.
10- سورة البقرة:185.
11- سورة البقرة:185.
12- سورة البقرة:185.
13- سورة البقرة:185.
14- نقل ابن رشد عنهم هذا في كتابه البداية والنهاية.
15- هذه المسافة تساوي ثمانين كيلو ونصف كيلو ومائة وأربعين متراً مسيرة يوم وليلة بسير الابل المحملة بالأثقال سيراً معتدلاً، ولا يضر عندهم نقصان المسافة عن المقدار المبين بشيء قليل كميل أو ميلين.
16- تجد ذلك كله في باب الصلاة بمنى وهو أحد أبواب التقصير وأحد أبواب الحج من الجزء الأول من صحيح البخاريوتجده في كتاب صلاة المسافرين وقصرها من صحيح مسلم. وتجد في ص 178 من كتاب الاستاذ الدكتور طه حسين - الفتنة الكبرى -ما هذا لفظه: ثم عاب المسلمون المعاصرون لعثمان عليه مخالفته للسنة المعروفة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن الشيخين وعن عثمان نفسه في صدر من خلافته وذلك حين أتم الصلاة في منى وقد قصرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشيخان وقصرها عثمان أيضاً أعواماً، وقد ذعر المسلمون حقاً حين أتم عثمان الصلاة في منى، فسعى بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض، ثم= أقبل عبد الرحمن بن عوف على عشان فقال له: ألم تصل هما مع النبي ركعتين ؟ قال عثمان: بلى. فقال عبد الرحمن: ألم تصل مع أبي بكر وعمر ركعتين ؟ قال عثمان: بلى. قال عبد الرحمن: ألم تصل أنت بالناس هنا ركعتين ؟ قال عثمان: بلى. قال عبد الرحمن: فما هذا الحدث الذي أحدثته ؟ قال عثمان: فإني قد بلغني أن الأعراب والجفاة من أهل اليمن يقولون ان صلاة المقيم اثنتان، فأجابه عبد الرحمن بأن خوفك على الأعراف والجفاة في غير محله إذ صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين ولم يكن الإسلام قد فشا بعدو، الآن قد ضرب الاسلام بجرانه فما ينبغي لك أن تخاف.
17- وقد نقله النووي عن مالك في شرحه لصحيح مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها



يتبع
22-03-2017 05:21 PM
عباس محمد س السجود على الأرض1
لعل من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلل من قبل المخلوف خالقه، هو السجود، وبه يؤكد المؤمن عبوديته المؤكدة لله تعالى، ومن هنا فإن البارئ عز اسمه يقدر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه، لذا روي في بعض المأثورات "أقرب ما يكون العبد إلى ربه حال سجوده".

ولما كانت الصلاة من بين العبادات معراجا يتميز بها المؤمن عن الكافر، وكان السجود ركنا من أركانها، فليس هناك أوضح في إعلان التذلل لله تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى، لما فيه من التذلل شي، أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري، فضلا عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضة، وان كان الكل سجوداً، إلا أن العبودية تتجلى في الأول بما تتجلى في غيره.

والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم، ولا يعدلون عنها إلا إلى ما أنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس، ولا يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنة المتواترة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وصحبه. وسيظهر – في ثنايا البحث - أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبت، كان هي السنة

121

بين الصحابة، وأن العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخرة. ولأجل توضيح المقام نقدم أمورا:

1- اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه

اتفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كل ركعة مر تين، ولم يختلفوا في المسجود له، فإنه هو الله سبحان الذي له يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرهاً2 وشعار كل مسلم قوله سبحانه: ﴿... لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ...﴾3 وإنما اختلفوا في شروط المسجود عليه - أعني ما يضع الساجد جبهته عليه - فالشيعة الأمامية تشترط كون المسجود عليه أرضا أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري، وما أشبه ذلك. وخالفهم في ذلك غرهم من المذاهب، وأليك نقل الآراء:

1 – قال الشيخ الطوسي4 – وهو يبين آراء الفقهاء -: لا يجوز السجود إلا على الأرض أو ما أنبتته الأرض مما يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار. وخالف جميع الفقها في ذلك حيث أجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك – إلى أن قال -: لا يجوز السجود على شي، هو حامل له ككور العمامة، وطرف الرداء، وكم القميص، وبه قال الشافعي، وروي ذلك عن علي عليه السلام وابن عمر،

122

وعبادة بن الصامت، ومالك، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه.

وإن سجد على ما لا يفضل منه مثل أن يفترش ويسجد عليها أجزأه لكنه مكروه، وروي ذلك عن الحسن البصري5.

وقال العلامة الحلي6 - وهو يبين آراء الفقهاء فيما يسجد عليه -: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولامن نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجيع، وأطبق الجمهور على الجواز:

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين ونحن نكتفي هنا بإيراد شي، مما روي في هذا الجانب:

روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنه قال لأبي عبد الله عليه السلام أخبرني عتا يجوز السجود عليه، وعما لا يجوز؟ قال: "السجود لا يجوز إلا على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض إلا ما أكل أو لبس". فقال له: جعلت فداك ما العلة في ذلك ؟

قال: "لأن السجود خضوع لله عز جل فلا ينبعي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ؟ لأن أبنا، الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عز وجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبنا، الدنيا الذين اغتزوا بغرورها"7.

123

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته إذالم يكن مأكولا ولا ملبوساً اقتداء بأئمتهم، على أن ما رواه أهل السنة في المقام، يدعم نظرية الشيعة، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم، ويتضح أن السنة كانت هي السجود على الارض، ثم جاءت الرخصة في الحصر والبراري فقط، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

روى المحدث النوري في المستدرك عن دعائم الإسلام: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليه السلام، أن رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم: قال: "إن الأرض بكم برة، تتيتمون منها، وتصلون عليها في الحياة (الدنيا) وهي لكم كفاة في الممات، ذلك من نعمة الله، له الحمد، فأفضل ما يسجد عليه المصلي الأرض النقية".

وروى أيضاً جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال "ينبغي للمصلي أن يباشر بجبهته الأرض، ويعفر وجهه في التراب، لأنه من التذلل لله"8.

وقال الشعراني – ما هذا نصه -: المقصود إظهار الخضوع بالرأس حتى يمس الأرض بوجهه الذي هو أشرف أعضائه، سوا، كان ذلك بالجبهة أو الأنف والكبرياء، فإذا وضعه على الأرض، فكأنه خرج عن الكبرياء التي عنده بين يدي الله تعالى إذ الحضرة الالهية محرم دخولها على

124

من فيه أدنى ذرة من كبر فإنها هي الجنة الكبرى حقيقة وقد قالصلى الله عليه وآله وسلم: يدخل الجنة من في قلبه مثال ذرة من كبر"9.

نقل الامام المغربي المالكي الروداني: عن ابن عباس رفعه: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته10

2- الفرق بين المسجود له والمسجود عليه

كثيرا ما يتصور أن الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة ويتخيل الحجر المسجود عليه وثناً، وهؤلاء هم الذين لا يفرقون بين المسجود له والمسجود عليه، ويزعمون أن الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلي وثنا يعبده المصلي بوضع الجبهة عليه. ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف، ولم يفرق بين الأمرين، وزعم المسجود عليه مسجوداً له، وقاس أمر الموحد بأمر المشرك بحجة المشاركة في الظاهر، فأخذ بالصور والظواهر، مع أن الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر، فالوثن عند الوثني معبود ومجسود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له، ولكن الموحد الذي يريد إن يصلي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها، يخضع لله تعالى سبحانه ويسجد له، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى، مظهرا بذلك مساواته معها عند التقييم قائلا: أين التراب ورب الأرباب.

نعم: الساجد على التربة غير عابد لها، بل يتذلل إلى ربه بالسجود

125

عليها، ومن توهم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان، وسيؤدي إلى إرباك كل المصلين والحكم بإشراكهم، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لا بد أن يكون عابداً لها على هذا المنوال فيا للعجب العجاب !!

3- السنة في السجود في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعده

إن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدة لا يستهان بها، محتملين شدة الرمضاء، وغبار التراب، ورطوبة الطين، طيلة أعوام. ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة بل وعلى الحصر والبواري والخمر، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبة، هو تبريد الحصى بأكفهم ثم السجود عيها، وقد شكى بعضهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شدة الحر، فلم يجبه، إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود، وعلى ضوء هذا فقد مرت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير:

ا - ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين، ولم تكن هناك أية رخصة لغيرها.

2- المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصى والبواري والخمر، تسهيلاً للأمر، ورفعاً للحرج والمشقة، ولم تكن هناك أية مرحلة أخر توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدعيه البعض، وإليك البيان:

126

المرحلة الأولى:

السجود على الأرض

روى الفريقان عن النبي الأكرمصلى الله عليه وآله وسلمأنه قال: "وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"11.

والمتبادر من الحديث أن كل جز، من الأرض مسجد وطهور يسجد عليه ويقصد للتيمم، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين: السجود تارة، وللتيتم أخرى.

وأما تفسير الرواية بأن العبادة والسجود لله سبحانه لا يختص بمكان دون مكان، بل الأرض كلها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم حيث خصوا العبادة بالبيع والكنائس، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه، فإنه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجدا للمصلي فيكون لازمه كون الأرض كلها مالحة للعبادة، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه، ويعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» وجعلهما مفعولين لــ "جعلت" والنتيجة هو توصيف الأرض بوصفين: كونه مسجدا وكونه طهورا، وهذا هو الذي فهمه الجصاص وقال: إن ما جعله من الأرض مسجدا هو الذي جعله طهوراً 12.

ومثله غيره شرّاح الحديث.

تبريد الحصى للسجود عليها

1- عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم

127

الظهر، فآخذ قبضة من الحصى، فأجعلها في كفي ثم أحولها الى الكف الأخرى حتى تبرد ثم أضعها لجبيني، حتى أسجد عليها من شدة الحر13.

وعلق عليه البيهقي بقوله: قال الشيخ: ولو جاز االسجود على ثوب متصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود14.

ونقول: ولو كان السجود على مطلق الثياب سوا، كان متصلا أم منفصلا جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه.

2- روى أنس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه15.

3- عن خباب بن الارت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شدة الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكن16.

قال ابن الأثير في معنى الحديث: إنهم لما شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم17.

هذه المأثورات تعرب عن أن السنة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط، حتى أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتصلة أو المنفصلة، وهو صلى الله عليه وآله وسلم مع كونه

128

بالمؤمنين رؤوفاً رحيما أوجب عليهم مس جباههم الأرض، وإن آذاهم شدة الحر.

والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض، وعن إصرار النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد، ما روى من حديث الأمر بالترتيب في غير واحد من الروايات.

الأمر بالتتريب

ا - عن خالد الجهني: قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صهيبا يسجد كأنه يتقي التراب فقال له: "ترب وجهك يا صهيب"18.

2- والظاهر أنّ صهيبا كان يتقي عن التتريب، بالسجود على الثوب المتصل والمنفصل، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري و الأحجار الصافية، وعلى كل تقدير، فالحديث شاهد على أفضلية السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى لما مر من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على الأرض.

3- روت أم سلمة رضي الله عنها عنها: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلاما لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد، فقال: "يا أفلح ترب"19.

4- وفي رواية: "يا رباح ترب وجهك"20.

5 - روى أبو صالح قال: دخلت على أم سلمة، فدخل عليها ابن

129

أخ لها فصلى في بيتها ركعتين، فلما سجد نفخ التراب، فقالت أم سلمة: ابن أخي لا تنفخ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لغلام له يقال له يسار - ونفخ -: "ترب وجهك لله21.

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة

1- روي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته22.

2- روي عن علي أمير المؤمنين أنه قال: "إذا كان أحدكم يصلي فليحسر العمامة عن وجهه"، يعني حتى لا يسجد على كور العمامة23.

3- روى صالح بن حيوان السبائي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا يسجد بجبه وقد اعتم على جبهته فحسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبهته24.

4- عن عياض بن عبد الله القرشي: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: "ارفع عمامتك" وأومأ إلى جبهته25.

هذه الروايات تكشف عن أنه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلا السجود على الأرض، ولم تكن هناك أية رخصة سوى تبريد الحصى، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك، ولما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتتريب، وحسر العمامة عن الجبهة.

130

المرحلة الثانية:

الترخيص في السجود على الخمر والحصر

هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها، وأنهم كانوا لا يعدلون عنه، وإن صعب الأمر واشتد الحر، لكن هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي صلى الله عليه وآله وسلم – بإيحاء من الله سبحانه إليه – السجود على ما أنبتت الأرض، فسهل لهم بذلك أمر السجود، ورفع عنهم الأصر والمشقة في الحر والبرد، وفيما إذا كانت الأرض مبتلة، وإليك تلك النصوص:

ا- عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحمرة26.

2– عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحمرة وفي لفظ: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة27.

3– عن عائشة: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحمرة28.

4– عن أنم سلمة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحمرة29.

5– عن ميمونة: ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحمرة فيسجد30.

131

6– عن أم سلمة قالت: كان "رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" يصلي على الخمرة31.

7- عن عبد الله بن عمر: كان رسول الله يصلي على الحمر32.

السجود على الثياب لعذر

قد عرفت المرحلتين الماضيتين، ولو كانت هناك مرحلة ثالثة فإنما هي مرحلة جواز السجود على غير الأرض، وما ينبت منها لعذر وضرورة. ويبدو أن هذا الترخيص جاء متأخرا عن المرحلتين لما عرفت أن النبيصلى الله عليه وآله وسلملم يجب شكوى الأصحاب من شدة الحر والرمضاء، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحملين الحر والأذى، ولكن الباري عز اسمه رخص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة، وإليك ما ورد في هذا المقام:

1- عن أنس بن مالك: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يستطيع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، طرح ثوبه ثم سجد عليه.

2- وفي صحيح البخاري: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضح أحدنا طرف الثوب من شدة الحر. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه.

3- وفي لفظ ثالث: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود33.

132

هذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضا. وذلك لان رواية أنس نص في أنهم كانوا يفعلون ذلك حالة الضرورة، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات، واليك بعض ما روي في هذا المجال:

1- عبد الله بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على كور عمامته34.

إن هذه الرواية مع أنها معارضة لما مر من نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السجود عليه، محمولة على العذر والضرورة، وقد صرح بذلك الشيخ البيهقي في سننه، حيث قال: قال الشيخ: «وأما ما روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السجود على كور العمامة فلا يثبت شي، من ذلك، وأصح ماروي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم 35.

وقد روي عن ابن راشد قال: رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت: لما تسجد عليها ؟ قال أتقي البرد على أسناني36.

2- ما روي عن أنس: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسجد أحدنا على ثوبه37.

والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه، وبما رواه عنه البخاري: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا

133

أن يمكن وجه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه38.

ويؤيده ما رواه النسائي أيضا: كنا إذا صلينا خلف النبيصلى الله عليه وآله وسلمبالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر39.

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدل إلا على أن النبيصلى الله عليه وآله وسلمصلى على الفرو. وأما أنه سجد عليه فلا دلالة عليه.

3- عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحصير والفرو المدبوغة40.

الرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث، ليست ظاهرة في السجود عليه. ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجود عليه، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها. وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

حصيلة البحث

إن المتأمل في الروايات يجد وبدون لبس أن قضية السجود في الصلاة مرت بمرحلتين أو ثلاث مراحل ففي المرحلة الأولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخص للمسلمين السجود على غيرها، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أخرى إلا جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقا فمحمولة على

134

الضرورة، أو دلالة لها على السجود عليها، بل غايتها الصلاة عليها.

من ها يظهر بوضوح أن ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنة النبوة، ولم تحرف عنه قيد أنملة، ولعل الفقهاء أدرى بذلك من غيرهم، لأنهم الأمناء على الرسالة والأدلاَّء في طريق الشريعة، ونحن ندعو إلى قليل من التأمل لإحقاق الحق وتجاوز البدع.

ما هو السر في اتخاذ تربة طاهرة ؟

بقي ها سؤال يطرحه كثيرا إخواننا أهل السنة حول سبب اتخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها. وربما يتخيل البسطاء - كما ذكرنا سابقاً - أن الشيعة يسجدون لها لا عليها، ويعبدون الحجر والتربة، وذلك لأن هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة، والسجود لها.

وعلى أي تقدير فالإجابة عنها واضحة، فإذ المستحسن عد الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة ليتيقن من طهارتها، من أي أرض أخذت، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلها في ذلك سواء.

وليس هذا الالتزام إلا مثل التزام المصلي بطهارة جسده وملبسه ومصلاه، وأما سر الالتزام في اتخاذ التربة هو أن الثقة بطهارة كل أرض يحل بها، ويتخذها مسجداً، لا تتأتى له في كل موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حله وترحاله، بل وأنى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أضاف مختلفة من البشر، مسلمين كانوا أم غيرهم، ملتزمين بأصول الطهارة أم غير ذلك، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصا من أن يتخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئن بها وطهارتها، يسجد عليها لدى صلاته حذرا من السجود على الرجاسة والنجاسة، والأوساخ

135

التي يتقرب بها إلى الله قط ولا تجوز السنة السجود عليهما ولا يقبله العقل السليم، خصوصا بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها:

المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبه41.

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها، فقد روي: أن التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع المتوفى عام 62 كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه بن أبي شيبة في كتابه المصنف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج بإسنادين أن مسروقا كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها42.

إلى هنا تبين أن التزام الشيعة باتخاذ التربة مسجدا ليس إلا لتسهيل الأمر للمصلي في سفره وحضره خوفا من أن لا يجد أرضا طاهرة أو حصيرا طاهرا فيصعب الأمر عليه، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمم عليها.

وأما السرّ في التزام الشيعة استحبابا بالسجود على التربة الحسينية فإن من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها، أن يتذكر المصلي باصطحابه تلك التربة، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد.

ولما كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفي الحديث "أقرب ما

136

يكون العبد إلى ربه حال سجوده، فيناسب آن يقتدي بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية، بأولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحق، وارتفعت أرواحهم إلى الملا الأعلى، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعل هذا هو المقصود من أن السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر، فيكون حينئذٍ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى رب الأرباب43.

وقال العلامة ألأميني: نحن نتخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة، ومعلم السنة بها، وحاشاه من البدعة. فليس في ذلك أي حزازة وتعسف أو شي، يضاد نداء القرآن الكريم أن يخالف سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أو خروج من حكم العقل والاعتبار.

وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجدا لدى الشيعة من الفرض المحتَّم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا مما ألزمه المذهب، ولا يفرق أي أحدمنهم منذ أؤل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم، وإن هو عندهم إلاَّ استحسان عقلي ليس إلا، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت، وكثير من رجال المذهب يتَّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو حمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (2).
137

هوامش
1- أخذنا هذا البحث من كناب الاعتصام بالكتاب والسنة للشيخ جعفر السبحاني.
2- إشارة إلى قوله سبحانه: {ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدُوَّ والآصال} سورة الرعد، الآية: 15.
3- سورة فصلت، الآية: 37. (3) من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والمؤلفات ولد 785هـ وتوفي عام، 46هــ من تلاميذ الشيخ المفيد 776-417هــ، والسيد الشريف المرتضى 755-476هــ رضي. الله عنهما.
4- من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والمؤلفات ولد سنة 385 هـ. وتوفي عام 460 هـ. من تلاميذ الشيخ المفيد 336- 413 هـ. والسيد الشريف المرتضى 335- 436هـ. رضي الله عنهما.
5- الخلاف: 1 كتاب الصلاة / 358.357، المسالة 12 ا -113.
6- الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي 141. 726هـ وهو زعيم الشيعة في القرن السابع، لا يسمح الدهر بمثله إلا في فترات خاصة.
7- الوسائل: ج 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 1، وهناك روايات بمضمونه. والكل يتضمن أن الغاية من السجود التي هي التذلل لا تحصل بالسجود على غيرها فلاحظ.
8- مستدرك الوسائل: 4 باب 1، من أبواب ما يسجد عليه. ولعل الحديث ورد في أوائل الهجرة وقد كان المسلمون آنذاك يسجدون على الأرض فقط ولا منافاة بينه وبين ما يأتي من الرخصة بالنسبة إلى ما أنبتته الأرض.
9- اليواقيت والجوزاهر في عقائد الأكابر: عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري المصري المعروف بالشعراني (من أعيان علماه القرن العاشر): 1/ 164» الطبعة الأولى.
10- محمد بن محمد بن سليمان المغربي (المتوفى عام 1049): جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد: 1/ 214برقم 1515.
11- صحيح البخاري: 1/ ا 9 كتاب التيتم الحديث 2 وسنن البيهقي: 2/ 433 باب: أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.
12- أحكام القرآن للجصاص: 2/389 نشر بيروت.
13- مسند أحمد: 3/ 327من حديث جابر وسنن البيقهي: 1/327 باب ما روي في التعجيل بها في شدة الحر.
14- سنن البيهقي:2/1، 5.
15- السنن الكبرى: 2/ 1، 6.
16- سننن البيهقي: 2/ 1، 5 باب الكشف عن الجبهة.
17- ابن الأثير: النهاية: 2/ 497مادة شكى.
18- المتقي الهندي: كنز العمال: 7/ 465برقم 19810.
19- المصدر نفسه: 7/ 459 برقم 19776.
20- المتقي الهندي: كنز العمال: 7/ 459برقم 19777.
21- المصدر نفسه: 7/ 465، برقم 1981، ومسند أحمد: 6/ 3، 1 ( 2) ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1/ 151كما في السجود على الأرض 41.
22- ابن سعد الطبقات الكبرى 1/151 كما في السجود على الأرض 41.
23- منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند: 7/ 194.
24- البيهقي: السنن الكبرى: 2/ 1، 5.
25- المصدر نفسه.
26- أبو نعيم الأصفهاني: أخبار اصبهان: 2/ 141.
27- مسند أحمد: 1/269 - 3 0 3 – 3 0 9 و358.
28- المصدر نفسه: 6/ 179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد: ناوليني الخمرة.
29- المصدر نفسه: 3 0 2 (5) مسند أحمد: 6/ 331- 335.
30- مسند أحمد 6/331- 335.
31- المصدر نفسه: 377.
32- المصدر نفسه: 2/92-98.
33- صحيح البخاري: 1/ 101، صحيح مسلم: 2/109 مسند أحمد: 1/100، السنن الكبرى: 2/106.
34- كنز العمال 8/130 برقم 22238.
35- البيهقي: السنن 2/106.
36- المصنف لعبد الرزاق: 1/ 400 كما في سيرتنا وسنَّتنا، والسجدة على التربة 93.
37- البيهقي: السنن الكبرى 2/1 106 باب من بسط ثوباً فسجد عليه.
38- البخاري: 2/ 64كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.
39- ابن الأثير: الجامع الأصول: 5/ 468برقم 3660.
40- أبو داود: السنن: باب ما جاء في الصلاة على الخمرة برقم 331.
41- العلامة الأميني: سيرتنا وسنَّتنا 158-159.
42- أبو بكر بن أبي شيبة: المصنف: 1/ 400كما في السجدة على التربة 93.
43- الأرض والتربة الحسينية: 24.



يتبع
22-03-2017 05:20 PM
عباس محمد س التكتف في الصلاة1
إن قبض اليد اليسرى باليمنى مما اشتهر ندبه بين فقها، أهل السنة.

فقالت الحنفية: إن التكتف مسنون وليس بواجب، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى تحت سرته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقالت الشافعية: يسن للرجل والمرأة، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرة مما يلي الجانب الأيسر.

وقالت الحنابلة: أنه سنة، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجهلها تحت السرة.

وشذت عنهم المالكية فقالوا: يندب إسدال اليدين في الصلاة الفرض، وقالت به جماعة أيضاً قلبهم، منهم: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريح، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء.

والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل2.

وأما الشيعة الإمامية، فالمشهور أنه حرام ومبطل، وشذ منهم من

109

قال بأنه مكروه، كالحلبي في الكافي3.

ومع أن غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصوبوا وتصعدوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن أن يقال: ان الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تبين صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذجين من هذه الروايات: أحدها من طريق أهل السنة، والآخر من طريق الشيعة الامامية، وكلاهما يبينان كيفية صلاة النبي، وليست فيها أية إشارة على القبض فضلاً عن كيفيته.

أ- حديث أبي حميد الساعدي

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدثين، نحن نذكر بنص البيهقي، قال: أخبرناه أبو علي عبد الله الحافظ.

فقال أبي حميد الساعدي: انا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: لم، ما كنت أكثرنا له تبعا، ولا أقدمنا له صحة ؟! قال: بلى ،قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام الى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقر كل عضو منه في موضعه معتدلا، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يعود كل عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه فيثني رجله

110

اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: الله أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلا حتى رجع أو يقر كل عظم موضعه معتدلا، ثم يصنع في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما فعل أو كبر عن افتتاح صلاته، ثم يصنع من ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقه الأيسر، فقالوا جميعا: صدق هكذا كان يصلي رسول الله4.

والذي يوضح صحة الاحتجاج الأمور التالية:

1- تصديق أكابر الصحابة5 وبهذا العدد لأبي حميد يدل على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الأدلة.

2- أنه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك، لأنهم لم يسلموا له أول الأمر أنه أعلمهم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي، ومن البعيد جداً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة.

3- الأصل في وضع الدين هو الإرسال، لأنه الطبيعي فدل ّ الحديث عليه.

4- لا يقال آن هذا الحديث عام وقد خصصته أحاديث القبض، لأنه

111

وصف وعدد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة ،وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.

5- روى بعض من حضر من الصحابة أحاديث القبض، فلم يعترض، فدل على أن القبض منسوخ، أو على أقل أحوال بأنه جائز للاعتماد لمن طول صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، ومالك6.

هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي، وقد روي عن طريق أهل السنة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الإمامية.

ب – حديث حمّاد بن عيسى

روى حماد بن عيسى عن الامام الصادق عليه السلام قال، قال: "ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة" ؟، قال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلمني الصلاة، فقام أبو عبد الله مستقبل القبلة منتصبا فأرسل يديه جميعا على فخذيه، قد ضم أصابعه وقر ب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه جميعا لم يحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: الله أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو الله أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: الله أكبر، وهو قائم، ثم ركع وملا كفيه من ركبتيه مفرجات، ورد ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صُب عليه قطرة ما، أودهن لم تزل لاستواء ظهره

112

وتردد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثا بترتيل وقال: سبحان رتبي العظيم وبحمده، ثم استوى قائما، فلما استمكن من القيام قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه فقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاث مرات، ولم يضع شيئاً من بدنه على شي، منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفين ،وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والأنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الأنف على الأرض سنة، وهو الإرغام، ثم رفع رأسه من السجود فلما استوى جالسا قال: الله أكبر، ثم قعد على جانبه الأيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: استغفر الله ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس وسجد الثانية وقال: كما قال في الأولى ولم يستعن بشي، من بدنه على شي، منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنحا ،ولم يضع ذراعيه على الأرض، فصلى ركعتين على هذا.

ثم قال: " يا حماد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيدك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا عن يسارك ولا بين يديك"7.

ترى أن الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس، وليست فيهما أية إشارة إلى القبض أقسامه المختلفة، فلو كان سنة لما تركه الإمام في بيانه، وهو بعمله يجسد لنا صلاة الرسول، لأنه أخذها عن أبيه الإمام الباقر،وهو عن أبيه عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن الرسول الأعظم - صلوات الله عليهم أجمعين - فيكون القبض بدعة ،لأنه إدخال شي، في الشريعة وهو ليس منه.

113

ثم إن للقائل بالقبض أدلة على دراستها:

إن مجموع ما يمكن الاستدلال به على أن القبض سنة في الصلاة لا يعدو عن مرويات ثلاثة:

1- حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.

2- حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.

3- حديث عبد الله بن مسعود. رواه البهقي في سننه. وإليك دراسة كل حديث:

ج – حديث سهل بن سعد

روى البخاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم8.

قال إسماعيل9: ينمى ذلك ولم يقل ينمي.

والرواية متكفلة لبيان كفيقة القبض إلا إن الكلام في دلالتها بعد تسليم سندها. لكنها لا تدل عليه بوجهين.

أولاً: لو كان النبي الأكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله: "كان الناس يؤمرون" ؟ أو ما كان الصحيح عندئذ أن يقول: كان النبي يأمر ؟

114

أوليس هذا دليلا على أن الحكم نجم بعد ارتحال النبي الأكرم، حيث إن الخلفاء وأمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيل أنه أقرب للخشوع ؟ ولأجله عقد البخاري بعده بابا باسم باب الخشوع. قال ابن حجر: حكمه في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع عن العبث، وأقرب إلى الخشوع، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقبه بباب الخشوع.

وثانيا: إن في ذيل السند ما يؤيد أنه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الأكرم نفسه حيث قال: قال إسماعيل: "لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النبي بنا، على قراءة الفعل بصيغة المجهول.

ومعناه أنه لا يعلم كونه أمراً مسنونا في الصلاة، غير أنه يعزى وينسب إلى النبي، فيكون ما يرويه سهل بن سعد مرفوعاً.

قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبي10.

هذا كله إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأما إذا قرأناه بصيغة المعلوم ،فمعناه أن سهلاً ينسب ذلك إلى النبي، فعلى فرض صحة القراءة وخروجه بذلك من الإرسال والرفع، يكون قوله: "لا أعلمه إلا..." معرباً عن ضعف النسبة، وأنه سمعه عن رجل آخر ولم يسم.

د – حديث وائل بن حجر

وقد روي هذا الحديث بصور:

ا- روى مسلم، عن وائل بن حجر: إنه رأى النبي رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، ثم التحف بثوبه، ثم ووضع يده اليمنى على

115

اليسرى، فلتا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع..11..

والاحتجاج بالحديث احتجاج بفعل النبي وهو متوقف على تمام دلالته على ذلك، لأن ظاهر الحديث أن النبي جمع أطراف ثوبه فغطى صدره به، ووضع يده اليمنى على اليسرى ،أما هل فعل ذلك لكونه أمراً مسنوناً في الصلاة، أو فعله لئلا يسترخي الثوب بل يلصق بالبدن ليقي به نفسه من البرد ؟ والفعل أمر مجهول العنوان، لايكون حجة إلا إذا علم أنه فعل ذلك به لكونه مسنوناً. ثم إن النبي الأكرم صلى مع المهاجرين والأنصار أزيد من عشر سنوات، فلو كان ذلك ثابتاً من النبي لكثر النقل وذاع، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر، مع ما في نقله من الاحتمالين.

نعم روي بصور أخرى ليس فيه قوله: "ثم التحف بثوبه" وإليك صورته:

2- روى البيهقي بسنده عن موسى بن عمير: حدثني علقمة بن وائل عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله12.

116

وبما أنه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية هي المتعينة، فيلاحظ على الرواية بما لوحظ على الأولى، وهو أن وجه الفعل غير معلوم فيها. فلو كان النبي مقيما على هذا العمل، لاشتهر بين الناس، مع ان قوله: " ورأيت علقمة يفعله، يعزب عن أن الراوي تعر ف على ألسنة من طريقه.

3- رواه البيهقي أيضاً بسند آخر عن وائل بن حجر13 ويظهر الإشكال فيه بنفس ماذكرناه في السابق.

هـ - حديث عبد الله بن مسعود رضوان الله عليه

روى البيهقي مسندا عن ابن مسعود رضوان الله عليه أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى14.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنه من البعيد أن لا يعرف مثل عبد الله بن مسعود ذلك الصحابي الجليل ما هو المسنون في الصلاة مع أنه من السابقين في الإسلام: أن هشيم بن بشير وهو مشهور بالتدليس 15.

ولأجل ذلك نرى أن أئمة أهل البيت كانوا يتحرزون عنه، ويرونه أنه من صنع المجوس أمام الملك.

روى محمد بن مسلم عن الصادق أو الباقر عليهما السلام قال: قلت له:

117

الرجل يضع يده في الصلاة – وحكى – اليمنى على اليسرى ؟ فقال: ذلك التكفير، لا يفعل.

وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال وعليك بالإقبال على صلاتك، ولا تكفر، فإنما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: وعليك بالإقبال على صلاتك ولا تكفر فإنما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق باسناده عن علي عليه السلام: أنه قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته، وهو قائم بين يدي الله عز وجل، يتشبه بأهل الكفر - يعني المجوس -16.

وفي الختام نلفت نظر القارئ الى كلمة صدرت من الدكتور علي السالوس: فهو بعدما نقل آراء، الفقا، الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والإبطال بقوله: "وأولئك الذين ذهبوا الى التحريم والإبطال، أو التحريم فقط، يمثلون التعصب المذهبي وحب الخلاف، تفريقا بين المسلمين"17.

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنة إلى أن القبض أمر حدث بعد النبي الأكرم، وكان الناس يؤمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنه جز، من الصلاة فرضا أو استحبابا، فقد أحدث في الدين ما ليس منه، أفهل جزا، من اجتهد أن يرمى بالتعصب المذهبي وحب الخلاف ؟!.

ولو صح ذلك، فهل يمكن توصيف الإمام مالك به ؟ لأنه كان يكره


118

القبض مطلقاً، أو في الفرض، أفهل يصح رمي إمام دار الهجرة بأنه كان يحب الخلاف ؟.

أجل، لماذا ياترى لايكون عدم الإرسال ممثلاً للتعصب المذهبي وحب الخلاف بين المسلمين ؟!..
119

هوامش
1- أخذنا هذا البحث من كتاب سبع مساثل فقهية للشيخ جعفر السبحاني.
2- محمد جواد مغنية ، الفقه على المذاهب الخمسة : 110 - ولاحظ رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد : 5.
3- النجفي ، جواهر الكلام 11: 15-16.
4- البيهقي، السنن 2: 72-73، 101 – 102 - أبو داود، باب افتتاح الصلاة ، الحديث 730-736-الترمذي2: 98باب صفة الصلاة.
5- منهم أبو هريرة ، وسهل الساعدي، وأبو أسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربيعة ، ومحمد بن مسلمة.
6- الدكتور عبد الحميد ، رسالة مختصرة في السدل: 11.
7- الحر العاملي ، الوسائل الجزء 4، البا1 من أبواب أفعال الصلاة ،الحديث 1_ ولاحظ الباب 17 ، الحديث ا و2.
8- ابن حجر، فتح الباري في شرح صحيح ، 224:2 باب وضع اليمنى على اليسرى _ ورواه البيهقي في السنن الكبرى 28:2 ، باب وضع اليمنى على اليسرى الصلاة.
9- المراد: إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي ، لاحظ فتح الباري 325:5
10 المصدر السابق ، هامش رقم 1
11- مسلم ، الصحيح 1 : 782 ، الباب 15 من كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سند الحديث: همام ولو كان المقصود ، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه : كان يحيى القطان لا يعبأ بـ همام وقال عمر بن شيبة : حدثنا عفان قال: كان يحي بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه. وقال أبو حاتم : ثقة في حفظه. لاحظ هدى الساري 1: 449.
12- سنن البيهقي 2/ 28، وفي سند الحديث عبد الله بن جعفر، فلو كان هو ابن نجيح قال ابن معين: ليس بشي ، ، وقال النسائ : مترو ، وكان وكيع إذا أتى على حديثه جز عليه ، متفق على ضعفه. لاحظ دلائل الصدق للشيخ محمد حسه المظفر 1: 87.
13- المصدر نفسه وفي سنده عبد الله بن رجاء ، قال عمرو بن علي الفلاس : كان كثير الخلط والتصحيف، ليس بحجة، لاحظ هدى الساري ا: 437.
14- سنن البيهقي: 2: 28 ، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى.
15- هدى الساري: ا: 449.
16- الحر ألعاملي : الوسائل 4 : الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة ، الحديث 1 و2و7.
17- فقه الشيعة الإمامية ومواضع ألخلاف بينه وبين المذاهب الأربعة : 187.



يتبع
22-03-2017 05:19 PM
عباس محمد س هل البسلمة آية قرآنية ؟
وهل تقرأ في الصلاة ؟

اختلفت آراء أهل الرأي من المسلمين في ذلك، فذهب مالك والأوزاعي إلى أنها ليست من القرآن ومنعا من قراءتها في الفرائض بقول مطلق سوا، أكانت في افتتاح الحمد أم في افتتاح السورة بعدها، وسواء قرئت جهرا أم اخفاتاً، نعم أجازا قراءتها في النافلة165.

أما أبو حنيفة والثوري وأتباعهما فقرأوها في افتتاح أم القرآن، لكن أوجبوا اخفاتها حتى في الجهريات، وهذا يشعر بموافقتهما لمالك والاوزاعي وربما كان دالاً عليه إذ لا نعرف وجهاً لا خفاتهما في الجهريات سوى أنها ليست من أم الكتاب.

لكن الشافعي قرأها في الجهريات جهرا وفي الاخفاتيات اخفاتاً وعدها آية من فاتحة الكتاب، وهذا قول أحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد، واختلف المنقول عن الشافعي في أنها آية من كل سورة عدا براءة أم أنها ليست بآية من غير أم الكتاب فنقل عنه القولان جميعا، لكن المحققين

95

من أصحابه قد اتفقوا على أن البسملة قرآن من سائر السور166 وتأولوا القولين المنقولين عن إمامهم الشافعي167.

أما نحن - معشر الإمامية - فقد أجمعنا - تبعا لأئمة الهدى من أهل بيت النبوة عليهم السلام - على أنها آية تامة من السبع المثاني ومن كل سورة من القرآن العظيم ما خلا براءة، وان من تركها في الصلاة عمدا بطلت صلاته سوا، أكانت فرضا أم كانت نفلاً، وأنه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة وأنه يستحب الجهر بها فيما يخافت فيه168 وأنها بعض آية من سورة النمل، ونصوص أثمتنا في هذا كله متضافرة متواترة تواترا معنويا وأساليبها ظاهرة في الإنكار على مخالفيهم فيها، كقول الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام169 ما لهم ؟! عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله عز وجل فزعموا أنها بدعة إذا ظهروها وهي بسم الله الرحمن الرحيم.

وحجتنا من طريق الجمهور صحاحه وهي كثيرة:

أحدها: ما هو ثابت عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾170. قال: فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب

96

العالمين وقرأ السورة. قال ابن جريح: فقلت لأبي: لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس أنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية ؟ قال: نعم. وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وأورده الذهبي في تلخيصه وصرحا بصحة إسناده171

ثانيها: ما صح عن ابن عباس أيضا. قال: ان النبي صلى الله وعليه وآله وسلم كان إذا جاءه جبرائيل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة172.

ثالثها: ما صح عن ابن عباس أيضا. قال: كان النبي صلى الله وعليه وآله وسلم لا يعلم ختم السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم173.

رابعها: ما صح عنه أيضا. قال: كان المسلمون لا يعلمون السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم فإذا نزلت بسم الله الرحيم علموا أن السورة قد انقضت174.

خامسها: صح عن أم سلمة قالت: كان النبي صلى الله وعليه وآله وسلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها يقطعها حرفاً حرفا175.

97

وعن أم سلمة أيضاً من طريق آخر قالت: رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية، الحمد لله رب العالمين آيتين ،الرحمن الرحيم ثلاث آيات، مالك يوم الدين أربع، إياك نعبد وإياك نستعين فجمع خمس أصابعه. الحديث176.

سادسها: ما صح عن نعيم المجمر. قال: كنت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين قال آمين، فقال الناس آمين،177 فلما سلم قال والذي نفسي بيده اني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم178.

وعن أبي هريرة أيضا قال: كان رسول الله يجهر – في الصلاة – ببسم الله الرحمن الرحيم179.

سابعها: ما صح عن أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة فقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القراءة،

98

فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: يامعاوية أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد أم القرآن. الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرط مسلم180، وأخرجه غير واحد من أصحاب المسانيد كالإمام الشافعي في مسنده181 وعلق عليه تعليقة يجدر بنا إيرادها، إذ قال182: إن معاوية كان سلطانا عظيم القوة شديد الشوكة فلولا أن الجهر بالتسمية كان كالأمر المقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.

ولنا تعليقة على هذا الحديث ألفت إليها كل بحاثة فأقول: إن من أمعن في هذا الحديث وجده من الأدلة على مذهبنا في البسملة وفي عدم جواز التبعيض في السورة التي تقرأ في الصلاة بعد أم القرآن، إذ لا وجه لانكارهم عليه إلاَّ بنا، مذهبنا في المسألتين.

ثامنها: ما صح عن أنس أيضاً من طريق آخر قال: سمعت رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم يجهر – في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم 183

تاسعها: ما صح عن محمد بن السري العسقلاني. قال: صليت

99

خلف المعتمر بن سليمان ما لا أحصي صلاة الصبح والمغرب فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها - للسورة - وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن أقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم184. قلت: آنت من هذا الحديث وغيره أنهم كانوا يقرأون بعد أم القرآن سورة تامة من بسملتها حتى منتهاها كما هو مذهبنا ويدل عليه كثير من الأخبار185.

وعن قتادة، قال: سئل أنس بن مالك كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم ؟قال: كانت مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد الرحمن ويمد الرحيم.

وعن حميد الطويل، عن أنس بن مالك. قال: مليت خلف النبي صلى الله وعليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم.

أخرج هذه الأحاديث كلها وما قبلها أمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري في مستدركه ثم قال بعد الأخير منها ما هذا نصه: إنما ذكرت هذا الحديث شاهدا لما تقدمه. ففي هذه الأخبار التي ذكرناها معارضة لحديث قتادة الذي يرويه أثمتنا عنه - ولفظه عن أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله وعليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم -.

100

ثم قال الحاكم: وقد بقي في الباب عن أمير المؤمنين عثمان ،وعلي، وطلحة بن عبد الله، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر،والحكم بن عمير الثمالي، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب ،وبريده الاسلمي، وعائشة بنت الصديق (ض)، كلها مخرجه عندي في الباب تركتها إيثاراً للتخفيف واختصرت منها ما يليق بهذا الباب وكذلك ذكرت في الباب من جهر ببسم الله الرحمن الرحيم من الصحابة والتابعين وأتباعهم رضي الله عنهم. انتهى كلامه186.

قلت: وذكر الرازي في تفسيره الكبير187 أن البيهقي روى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في سننه عن عمر بن الخطاب، وابن عباس وابن عمر ابن الزبير ثم قال الرازي ما هذا لفظه: وأما ان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يهجر بالتسمية فقد ثبت بالواتر ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى. قال: والدليل عليه قول رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم " اللهم أدر الحق مع علي حيث دار".

وحسبنا حجة - على أن البسملة آية قرآنية في مفتتح السور كلها ما خلا براءة - أن الصحابة كافة فالتابعين أجمعين فسائر تابعيهم وتابعي التابعين في كل خلف من هذه الأمة منذ دون القرآن إلى يومنا هذا مجمعون إجماعا عمليا على كتابة البسملة في مفتتح كل سورة خلا براءة.

كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الآيات بدون ميزة، مع أنهم كافة متصافقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن إلا بميزة بينة حرصا منهم على أن لا يختلط فيه شي، من غيره، ألا تراهم كيفه ميزوا عنه أسماء سوره

101

ورموز أجزائه وأحزابه وأرباعه وأخماسه وأعشاره فوضعوها خارجة عن السور على وجه يعلم منه خروجها عن القرآن احتفاظا به واحتياطا عليه، ولعلك تعلم أن الأمة قل ما اجتمعت بقضها وقضيضها على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا بمجرده دليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم أية مستقلة في مفتتح كل سورة رسمها السلف والخلف في مفتتحها والحمد لله على الاعتدال.

وأيضاً فإن من المأثور المشهور عن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم قوله: كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع188، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر أو أجذم189، ومن المعلوم أن القرآن أفضل ما أوحاه الله تعالى إلى أنبيائه ورسله وان كل سورة منه ذات بال وعظمة، تحدى الله بها البشر فعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، فهل يمكن أن يكون القرآن أقطع ؟! تعالى الله وتعالى فرقانه الحكيم وتعالت سوره عن ذلك علواً كبيراً.

والصلاة هي الفلاح وهي خير العمل كما ينادى به في أعلى المنائر والمنابر ويعرفه البادي والحاضر لا يوازنها ولا يكايلها شي، بعد الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسوله واليوم الآخر، فهل يجوز أن يشرعها الله تعالى بترا، جذما، ؟ إن هذا لا يجرا على القول به بر ولا فاجر، لكن الأئمة البررة مالكاً والأوزاعي وأبا حنيفة (رضي الله عنهم) ذهلوا عن هذه اللوازم ،وكل مجتهد في الاستنباط من الأدلة الشرعية معذور ومأجور إن أصاب وإن أخطأ.

102

حجه مخالفينا في المسألة

احتجوا بأمور:

أحدها: أنها لو كانت آية من الفاتحة للزم التكرار فيها بالرحمن الرحيم، ولو كانت جزءاً من كل سورة للزم تكرارها في القرآن مئة وثلاث عشرة مرة.

والجواب: ان الحال قد تقتضي ذلك اهتماما ببعض الشؤون العظمى وتأكيدا لها وعناية بها، وفي الذكر الحكيم من هذا شي، كثير وحسبك سورة الرحمن وسورتا المرسلات والكافرون، وأي شأن من أهم مهمات الدنيا والآخرة يستوجب التأكيد الشديد ويستحق أعظم العنايات كاسم الله الرحمن الرحيم، وهل بعثت الأنبياء وهبطت الملائكة ونزلت الكتب السماوية إلاَّ باسم الله الرحمن الرحيم والهداية إليه عز وجل ؟ وهل قامت السماوات والأرض ومن فيهن إلاَّ باسم الله الرحمن الرحيم ؟190﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾191.

ثانيها: ما جاء عن أبي هريرة مرفوعا إذ قال: يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين،

103

يقول الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، يقول الله تعالى: مجدني عبدي. وإذا قال: إيك نعبد وإياك نستعين، يقول الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي. الخبر.

ووجه الاستدلال به أنه لم يذكر في آيات الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم ولو كانت آية لذكرها.

والجواب: ان هذا معارض بخبر ابن عباس مرفوعا، وفيه قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: دعاني عبدي... الحديث192 وهو طويل، وشاهدنا فيه أنه قد اشتمل على البسملة، فنقض حديث أبي هريرة، على أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكان هو يجهر بها ويقول: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم وقد مر عليك حديثاه في ذلك193.

ثالثها: ما جاء عن عائشة: أن النبي صلى الله وعليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.

ولا حجة لهم به، لأنها جعلت الحمد لله رب العالمين اسماً لهذه السورة كما تقول: قرأت قل هو الله أحد، وقرأ فلان إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، وما أشبه ذلك، فيكون معنى الحديث: أنه صلى الله وعليه وآله وسلم كان يفتتح الصلاة

104

بالتكبير وبقراءة هذه السورة التي أولها بسم الله الرحمن الرحيم194.

رابعها: خبر ابن مغفل إذ قال: سمعني أبي وأنا أقرأ باسم الله الرحمن الرحيم قال: يا بني إياك والحدث فإني صليت مع رسولصلى الله وعليه وآله وسلموأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع رجلا منهم يقرأها195.

والجواب: أن أئمة الجرح والتعديل لا يعرفون ابن مغفل ولا أثر لحديثه عندهم، وقد أورده ابن رشد حول البسملة من كتابه " بداية المجتهد"196 فأسقطه بما نقله عن أبي عمر بن عبد البر من النص على أن ابن مغفل رجل مجهول.

خامسها: خبر شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك197 قال: صليت مع رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ونحوه حديث حميد الطويل عن أنس أيضاً198 قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم.

والجواب: أنك سمعت في حججنا ما صح عن أنس مما يناقض

105

هذين الخبرين فأمعن فيما أسلفناه، وقد أورد الإمام الرازي خبر أنس هذا في حجج مخالفيه، ثم قال: والجواب عنه من وجوه:

الأول: قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني: روي عن أنس في هذا الباب ست روايات، أما الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات:

إحداها: صليت خلف رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.

وثانيتها: قوله: أنهم ما كانوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم.

وثالثتها: قوله: لم أسمع أحداً منهم قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

فهذه الروايات الثلاث توافق قول الحنفية قال: وثلاث أخرى تناقضه:

إحداها: حديثه في أن معاوية لما ترك بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار، وهذا يدل أن الجهر بالبسملة كان كالأمر المواتر عندهم المسلم فيما بينهم.

قال: وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم199

قال: وثالثتها: أنه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة قال: فثبت أن الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى غيرها من سائر الأدلة. قال الأمام الرازي: وأيضا ففيها تهمة أخرى وهي أن عليا عليه السلام كان يبالغ في الجهر بالتسمية فلما وصلت

106

الدولة إلى بني أمية بالغوا في المنع من الجهر بها سعيا في إبطال آثار علي عليه السلام200 قال: فلعل أنسأ خاف منهم فلهذا السبب اضطربت أقواله، قال: ونحن مهما شككنا في شي، فلا نشك في أنه إذا وقع التعارض بين قول أمثال أنس وابن المغفل وبين قول علي بن أبي طالب عليه السلام الذي بقي عليه طول عمره فإن الأخذ بقول علي أولى. قال: فهذا جواب قاطع في المسألة إلى أن قال: ومن اتخذ عليا إماما لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه إلى أخر كلام201ه قلت: فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
107

هوامش
165- نقل ابن رشد هذا كله عن مالك في صفحة 96 من الجزء الأول من كتابه بداية المجتهد، وقال الرازي حول البسملة في تفيسره الكبير صفحة 100 من جزئه الأول ما هذا نصه : قال مالك والأوزاعي أنها ليست من القرآن إلا في سورة النهل ولا تقرأ في الصلاة لا سرا ولا جهرا إلا في قيام شهر رمضان .
166- نقل اتفاقهم هذا وتأولهم لقولي أمامهم جماعة من الإعلام احدهم الرازي حول البسملة من تفسيره الكبير صفحة ، 4 1 من جزئه الأول .
167- وذلك أنهم قالوا لم يختلف النقل عنه في أصل المسألة وإنما اختلف النقل عنه في أنها آية تامة من سائر السور أو إنها بعض آية من كل سورة .
168- ان للامام الرازي حول البسلة من تفسيره الكبير عدة حجج على الجهر بها وقد نقل في الثالثة منها أن عليا رضي الله عنه كان مذهبه الجهر بسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات . وقال : ان هذه الحجة قوية في نفسي راسخة في عقلي لا تزول البتة .
169- نقله عنه الامام الطبرسي حول البسملة من الجز ، الأول من مجمع البيان .
170- سورة الحجر ، آية : 87.
171- فراجع تفسير سورة الفاتحة من كتاب التفسير من المستدرك للحاكم ومن تلخيصه للهذبي صفحة 257من جزئهما الثاني تجد الحديث منصوصا على صحته من الحاكم والذهبي كليهما .
172- أخرجه الحاكم في كتاب الصلاة من ستدركه صفحة 231من جزئه الأول فقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
173- أخرجه الحاكم في كتاب الصلاة من مستدركه وأورده الذهبي في التلخيص مصرحين بصحته على شرط الشيخين فراجع صفحة 231 من الجزء الأول من المستدرك وتلخيصه المطبوعين معا .
174- أخرجه الحاكم في صفحة 232من الجزء الأول من المستدرك ثم قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وصححه الذهبي على شرطهما أيضاً إذ أورده في التلخيص .
175- أخرجه الحاكم في المستدرك وأورده الذهبي في تلخيص مصرحين بصحته على شرط الشيخين فراجع من المستدوك وتلخيصه صفحة 232من جزئهما الأول .
176- أخرجه الحاكم عن أم سلمة بعد حديثها السابق شاهداً له .
177- ليس من مذهبنا قول آمين عند انتهاء الفاتحة من الصلاة لا للمنفرد ولا للمأموم ولا للامام لكونه ليس منها ولا من القرآن في شي ، إجماعا وقولا واحدا ، ولم يرو فيه أثر من طريقنا ولم ينقل عن أحد من أثمتنا ، بخلاف الجمهور فانه من شعارهم وقد رووا فيه أخبارا صحاحا على شرطهم ، وحديث أبي هريرة هذا من جملتها فهو من السنن أثنا ، الصلاة عندهم .
178- أخرجه الحاكم في المستدرك بعد حديثي أم سلمة بلا فصل ، وأورده الذهبي ثمة ني تلخيصه مصرحين بصحته على شرط الشيخين .
179- أخرجه الحاكم بعد الحديث المتقدم شاهدا له وأخرجه البيهقي في السنن الكبيرة كما في صفحة 1 ، 5 من الجزء الأول من تفسير الرازي .
180- وأورده الذهبي في تلخيص المستدرك وصححه على شرط مسلم وجعله الحاكم والذهبي علة ونقيضا لحديث قتادة عن انس . إذ قال : مليت خلف النبي(ص ) وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع احد منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ،وهذا باطل كما سنوضحه في الأصل قريبا إنشاء الله تعالى وقد أخرجه الحاكم وما بعده تزييفا له وشواهد لبطلانه .
181- راجع من مسنده صفحة 13 .
182- فيما نقله عنه الرازي في الحجة الرابعة من حججه على الجهر بالبسلة صفحة 1 ، 5 من الجزء الأول من تفسيره الكبير .
183- أخرجه الحاكم وأورده الذهبي في باب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم من كتابيهما وقالا : رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة عن أنس .
184- أخرجه الحاكم في المستدرك وأورده الذهبي في التلخيص ونصا على أن رواته عن آخرهم ثقات وجعلاه علة ونقيضا لحديث قتادة عن أنس ، الباطل .
185- فعن ابن عمر : أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن وللسورة التي بعدها . أخرجه الامام الشافعي في صفحة 17 من مسنده .
186- فراجعه في صفحة 234الجزءالأول من المستدرك .
187- أثناء الحجة الخامسة من حججه على الجهر بالبسملة صفحة501 من جزئه الأول .
188- أخرجه بهذا اللفظ الشيخ عبد القادر الرهاوي في اربعينه بسنده إلى أبي هريرة ، ورواه السيوطي ني حرف الكاف من جامعه الصغير صفحة 91 من جزئه الثاني، وأورده المتقي الهندي في صفحة 193 من الجز ، الأول من كنز العمال وهو الحديث 2497.
189- أرسله الأمام الرازي بهذا اللقط حول البسلة من الجز ، الأول من تفسيره .
190- فالمؤمن يفتتح أعماله باسم الله الرحمن الرحيم فإذا أكل أو شرب أو قام أو قعد دخل أو خرج أو أخذ أو أعطى أو قرأ أو كتب أو أملى أو خطب أو ذبح أو نحر قال : بسم الله الرحمن الرحيم .والقابلة إذا أخذت الولد حين ولادته تقول : بسم الله . وإذا مات قال بسم الله ، وإذا دخل القبر قيل بسم الله ، وإذا قام من قبره قال بسم الله ، وإذا حضر الموقف قال بسم الله ، وهل منجى يومئذٍ أو ملجأ إلا بالله ؟ ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
191- سورة فاطر ، الآية : 3 .
192- نقله المتقي الهندي حول البسملة صفحة 32 ، من الجزء الأول من الكنز عن شعب الإيمان للبيهقي .
193- فراجع الحديث السادس والذي بعده من حججنا .
194- هذا ملخص ما قاله الإمام الشافعي في الجواب عن احتجاجهم بهذا الحديث .
195- حديث ابن مغفل هكذا أورده الإمام الرازي في حجج مخالفيه في المسألة صفحة 106 من الجزء الأول من تفسيره . ثم قال : إن أنساً وابن مغفل خصصا عدم ذكر بسم الله الرحمن الرحيم بالخلفاء الثلاثة ولم يذكرا عليا وذلك يدل على ان عليا كان يجهر بسم الله الرحمن الرحيم .
196- صفحة 97 من جزءه الأول.
197- أخرجه مسلم عن طريقين عن شعبة عن انس في باب حجة من قال : لا يجهر بالبسملة من صحيحه .
198- فيما أخرجه مالك في العمل في القراءة من موطئه .
199- وقد أوردنا في حججنا رواية حميد الطويل عن أنس قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعثمان وعلي فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم .
200- هذه سيرتهم مع أمير المؤمنين وبنيه في كثير من شرائع الله تعالى حتى التبس الحق بالباطل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
201- فراجعه في صفحة 106 وآخره في صفحة 107 من الجزء الأول من تفسيره الكبير.



يتبع
22-03-2017 05:19 PM
عباس محمد س القراءة في الصلاة
اختلف الفقهاء في القراءة في الصلاة، فذهب أبو بكر الأصم وإسماعيل بن علية وسفيان بن عيينة والحسن بن صالح إلى أنها ليست بفرض في صلاة ما وإنما هي مستحبة.

وهذا شذوذ في الرأي وخروج على الأدلة وخرق لإجماع الأمة.

احتجوا بما رواه أبو سلمة ومحمد بن علي، عن عمر بن الخطاب إذ صلى المغرب فلم يقرأ فيها، فقيل له في ذلك فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسن. فقال: لا بأس إذا.

والجواب: أنه إذ لم يرفعه فهو رأيه، ولعله كان ممن يرى أن ترك القراءة سهوا لا يبطل الصلاة والله أعلم.

وذهب الحسن البصري وآخرون إلى أن القراءة إنما تفرض في ركعة واحدة. وهذا كسابقه في الشذوذ وخرق الإجماع.

احتجوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب متشبثين بأن الاستثناء من النفي إثبات، وأنه إذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة ولو مرة واحدة وجب القول بصحتها بحكم الاستثناء.

والجواب: إن هذا الحديث غير ناظر - يحكم العرف - إلى حال الصلاة حين تكون مع الفاتحة ولا هو حاكم عليها - وهي في تلك الحال - بإيجاب ولا بسلب وإنما هو ناظر إليها حين تكون خالية من الفاتحة وحاكم

85

عليها بأنها - وهي في تلك الحال -ليست بصلاة نظير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا صلاة إلا بطهور" اهتماما منه بالفاتحة وهي جز، الصلاة وبالطهور وهو شرطها، ونظائر هذا في الكلام كثير، ألا ترى أنه لو قيل لا " سكنجبين " إلا بخل مثلا، لا يفهم أحد من ذلك أن مسمى الخل ولو قطرة أو دونها كاف، أو ليس بكاف وإنما يفهمون أن السكنجبين مركب وأن الخل من مهمات أجزائه فإذا انتفى الخل ينتفي السكنجبين.

على أنه لو تم استدلالهم بهذا الحديث على ما زعموا لاطردت دلالته على عدم وجوب شي، من أفعال الصلاة وأقوالها إذا حصلت فيها قراءة الفاتحة كما هو واضح لمن أمعن.

وقال الإمام أبو حنيفة وأصحابه: لا تفرض قراءة الفاتحة بخصوصها في صلاة ما وإنما يفرض في الصلوات مطلق القراءة واكتفى أبو حنيفة بقراءة أية آية من القرآن ولو كانت كلمة واحدة نحو "مدهامتان" لكن صاحبه أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني إنما اكتفيا بثلاث آيات قصار نحو: "ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر " أو بآية واحدة تعادل ثلاث آيات قصار أو تزيد عليها وعلى هذا عمل الحنفية147.

وأباح أبو حنيفة ترجمة ما يقرأ من الصلاة في القرآن بأية لغة من اللفات الأعجمية حتى لمن يحسن العربية148، واكتفى من القراءة بدلا من الفاتحة والسورة بقول: "دوبلك سبز" - ترجمة مدهامتان بالفارسية - لكن

86

صاحبيه إنما أجازا الترجمة للعاجز عن العربية دون القادر عليها وعلى هذا عمل الحنفية.

والقراءة تفرض عندهم في الركعتين الأوليين من كل ثنائية كصلاة الجمعة والصبح وظهر المسافر وعصره وعشاءه، أما غير الثنائيات كصلاة المغرب وعشا، المقيم وظهره وعصره فإنما تفرض القراءة عندهم في ركعتين من كل منها لا على التعيين فللمصلي أن يختار القراءة في الأوليين أو الأخريين أو الأولى والثالثة أو الأولى والرابعة أو الثانية والثالثة أو الثانية والرابعة فإذا قرأ في الأولين – مثلاً – كان في الأخريين مخيراً إن شا، قرأ وإن شا، سبح وإن شاء سكت بقدر تسبيحة، هذا مذهبهم منتشراً في فقههم.

احتجوا لكفاية مطلق القراءة في الصلاة بحديث أبي هريرة الموجود في الصحيحين149 إذ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أن رد رسول الله عليه السلام قال له: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسلم عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام، ارجع فصل فانك لم تصل حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني. فقال صلى الله عليه وآله وسلم إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى

87

تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك قي صلاتك كلها.

ومحل الشاهد منه قوله: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن لظهوره في دعواهم.

والجواب: أن أبا هريرة ممن لا نقيم لحديثه وزنا كما بيناه مفصلاً وأقمنا عليه الحجج القاطعة عقلية ونقلية في كتاب منتشر له فأردناه ليراجعه كل مولع بالبحث عن الحقائق الساطعة.

وحديثه هذا قد لا يجوز على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لوروده في مقام يجب فيه البيان، وقد أمعنا فلم نجد ثمة من البيان ما يليق بالأنبياء عليهم السلام لخلوه من كثير مما أجمعت الأمة على وجوبه في الصلاة كالنية والقعود في التشهد الأخير وترتيب أركان الصلاة وكذا التشهد الأخير والصلاة على النبي والتسليم وغيرها، على أن تركه ثلاث مرات يصلي صلاة فاسدة مما لا يتلاءم مع خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد لا يجوز ذلك عليه صلى الله عليه وآله وسلم.

وأبو داود أخرج هذه القصة – في باب صلاة من لا يقيم صلبه قي الركوع والسجود من سننه – بالإسناد إلى رفاعة بن رافع150 الأنصاري -وهو من أهل بدر – وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للرجل الذي لم يحسن صلاته: إذا قمت وتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ.

وأخرج هذه القصة أيضاً بن حنبل وابن حبان بسنديهما إلى

88

رفاعة بن رافع وفيها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لذلك الرجل المسي، صلاته ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت، الحديث151.

ومن المعلوم: أن أبا هريرة ممن لا يوازن رفاعة ولا يكايله في قول لا في عمل، فحديثه مقدم على حديث أبي هريرة عند التعارض بلا كلام، ولذلك ترى القسطلاني في فتح الباري يتأوّل ما جاء في حديث أبي هريرة بحمله على ما جاء في حديث رفاعة، ومن تتبع أقوال السلف والخلف فيما جاء في حديث أبي هريرة من قوله: فاقرأ ما تيسر معك من القرآن، تجدهم جميعا "غير الحنفية" بين مفند152 ومتأوّل153ودونك إن شئت كلامهم حول حديث أبي هريرة هذا من شروح الصحيحين كلها154.

على أن أبا هريرة نفسه عارض حديثه هذا بما صح عنه إذ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تجزي، صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب155 وقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني ان أخرج فأنادي في المدينة أن

89

لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب فما زاد156. وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من صلى صلاة لا يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج فهي خداج157.

بقي الأمر الذي نتساءل عنه أعني السبب بأخذ فقها، الحنفية بظاهر قوله في حديث أبي هريرة "فاقرأ ما تيسر معك من القرآن" دون نصوصه الصريحة بوجوب الطمأنينة قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، على أن ما أخذوا به معارض بصحاح صريحة، ومخالف لجمهور المسلمين، وما لم يأخذوا به مؤيد بالصحاح وعليه الجمهور.

وربما استدل الحنفية على رأيهم في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿.... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ...﴾158.

والجواب: ان هذه الآية لا دخل لها فيما نحن فيه من القراءة في الصلاة قطعاً، يشهد بذلك سياقها في سورة المزمّل فليراجعها من شاء وليمعن فيما قاله المفسرون حولها تتضح له الحقيقة.

واحتج الحنفية لجواز ترجمة ما يقرأ في الصلاة من القرآن باللغات الأجنبية بوجه:

أحدها: أن ابن مسعود أقرأ بعض الأعاجم: إن شجرة الزقوم طعام

90

الأثيم، فكان الأعجمي يقرأ طعام اليتيم. فقال له: قل طعام الفاجر، ثم قال: ليس الخطأ في القرآن أن يقرأ: الحكيم، مكان العليم، بل أن يضع آية الرحمة مكان آية العذاب.

والجواب: إن هذا أجنبي عما نحن فيه، لا دلالة به على المدعي بشي، من الدوال، على أنه لو صح لكان رأياً لابن مسعود مقصوراً عليه لا تثنيه به حجة.

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾159 ومثله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾160

ووجه الاستدلال بهذه الآيات: أن الأمة مجمعة على أن القرآن لم يكن بألفاظه العربية في زبر الأولين ولا في صحف إبراهيم وموسى، وإنما كانت فيها معانيه بألفاظ العبرانية والسريانية.

والجواب: إن هذا كسابقه في عدو الدلالة على المدعي بل هو أبعد وأبعد بكثير.

الثالث: أنه تعالى قال: ﴿... وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ...﴾. والأعاجم لا يفهمون اللفظ العربي إلا أن يذكر لهم معناه بلفتهم فيكون الإنذار بها.

والجواب: إن هذا إنما يصلح دليلا على جواز تفسير القرآن بلغاتهم ليأخذوا بحكمه وآدابه وأوامره وزواجره وهذا شيء، والرطانة في الصلاة المأمور فيها بقراءة القرآن شي، آخر، وأي عربي أو عجمي لا يتبادر إلى ذهنه من لفظ قراءة الفاتحة تلاوة أم الكتاب بألفاظها المدونة في

91

المصاحف، وأي ذي ذوق لايصح عنده سلب لفظ قراءة الفاتحة وقراءة القرآن عن الرطانة بهما في الفارسية أو غيرها من اللغات الأجنبية شرقية وغربية.

وللأمام الرازي في تزييف هذه الوجوه – إذ نقلها من الحنفية – كلام آخر فليراجع.

وأنا أربأ بالامام أبي حنيفة أن يخفق في استدلاله هذا الاخفاق أو يسف فيه إلى هذا الحضيض، لكنه عول في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية على القياس والاستحسان، ومن هنا أتي الرجل، وكأنه استحسن للأعاجم أن تترجم لهم القراءة في الصلاة بلغاتهم، إذ وجد ذلك اقرب إلى فهمهم لمعانيها وأرجى لخشوعهم فيها، وهنه قاس قراءة الأعجمي بلغته على سماعه الموعظة وتلقيه دروس العلم بلغته، وهذه نظرية أتاتورك في الصلاة لم يأخذها من أبي حنيفة وإنما هي خواطر متواردة، وساعد أتاتورك على هذه النظرية انه لا يقدر الأدلة الشرعية بل لا يعرفها ولا يتعرف عليها فيما يستحسنه من وجوه الإصلاح في نظره، ولو كان في الأدلة الشرعية ما يساعد على جواز العمل بالاستحسان لكان لما رأوه وجه، وقد أبته وحظرته فهيهات هيهات.

وذهب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم إلى افتراض قراءة الفاتحة باللغة العربية في جميع ركعات الفرض والنفل، ودليلهم على ذلك: حديث أبي هريرة في قصة الأعرابي الذي لم يحسن صلاته لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث علمه الصلاة فأمره بالقراءة ثم قال له: "إفعل ذلك في صلاتك كلها"161.

92

وقد عرفت رأينا في هذا الحديث إذ قلنا أنا لا نقيم له وزنا..

والذي عليه الامامية - تبعا لأئمة العترة الطاهرة عليهم السلام - أن قراءة الفاتحة بالعربية الصحيحة فرض في الركعتين الأوليين من كل فرض ونفل162 على المنفرد والامام، أما المأموم فيتحمل القراءة عنه إمامه163 ،وأما الركعتان الأخريان فيجب فيهما إما قراءة الفاتحة أو التسبيح على سبيل التخيير بينهما ولا يتحمل الإمام فيهما عن المأموم قراءة ولا تسبيحا.

وحجتنا على هذا كله: نصوص أئمتنا - وهم اعتدال الكتاب عليهم السلام -

93

على أن قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل من الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب ثابت في الصحاح والمسانيد كلها من حديث أبي قتاد الحرث بن ربعي وغيره، والأصل فيما بفعله في صلاته صلى الله عليه وآله وسلم هو الوجوب164، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي، ولئن ثبت عنه قراءة الفاتحة في الركعتين الأخريين فقد بت عنه أيضاً الذكر فيهما، وصورته: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، مأثورة من طرق الأئمة من عترته الطاهرة، وقد يشهد له حديث سعد بن أبي وقاص الموجود في صحيح البخاري وغيره من الصحاح والمسانيد إذ شكاه أهل الكوفة إلى عمر حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فقال سعد: والله لقد كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ما أخرم عنها ،فأركد – أطيل القيام بقراءة الفاتحة والسورة – في الركعتين الأوليين، وأخف في الركعتين الأخريين – أي أسرع فيها اقتصاراً على التسبيح أو الفاتحة مجردة عن غيرها – والله تعالى أعلم.
94

هوامش
147- فراجع فقههم وحسبك غنية المتملي الكبير والصفير المنتشران كرسائل عملية.
148- هذا متواتر عنه، وممن نقله فخر الدين الرازي أول صفحة 1، 8من الجز، الأول من تفسيره الكبير ثم قال: واعلم أن مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة بعيد جدا ولهذا السبب فإنالفقيه أبا الليث السمرقندي والقاضي أبا زيد الدبوسي صرحا بتركه.
149- واحتجوا أيضا بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا صلاة إلا بقراءة حيث أطلق القراءة وهذا ما يدعون. والجواب أن هذا لو صح لوجب حمله على قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب , ولا غرو فإن المطلق يحمل على المقيد إجماعاً وقول واحد.
150- شهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهد معه بدر أخواه خلاد ومالك ابنا رفاعة، وشهد رفاعة هذا أمير المؤمنين الجمل وصفين وكان من أشد أوليائه له نصرة بالقول والفعل ، يعلم ذلك من ترجمته في الإصابة وغيرها من المؤلفات في أحوال الصحابة.
151- تجده في آخر باب وجوب القراءة للأمام والمأموم في الصلاة كلها صفحة 441 من الجزء الثاني من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري أثن، شرحه لحديث أبي هريرة هذا بنقلهعن كل من أبي داود وأحمد وابن حبان.
152- كبعض المعتزلة والشيعة.
153- كأعلام غير الحنفية من الجمهور .
154- قال الامام النووي حول حديث أبي هريرة هذا في باب وجوب قراءة الفاتحة من شرح صحيح مسلم. وأما قوله: اقرأ ما تيسر معك من القرآن فمحمول على الفاتحة فإنها متيسرة أو على ما زاد على الفاتحة أو على من عجز عن الفاتحة.وقال الامام السندي أثن، كلامه في حديث أبي هريرة هذا من تعليقه على صحيح البخاري ما هذا لفظه: قوله اقرأ ما تيسر معك كأنه قال له ذلك بن، على أن المتيسر لمثله هي الفاتحة قال: على أنه ورد في بعض الروايات أنه عين له الفاتحة.
155- أخرجه أبو بكر بن خزيمة في صحيحه بسند صحيح وكذا رواه أبو حاتم بن حبان ونقله عنهما مصرحا بصحته الإمام النووي في باب وجوب قراءة الفاتحة من شرحه لصحيح مسلم
156- أخرجه أبو داود في باب من ترك القراءة في صلاته من السنن وأخرج ثمة عن أبي هريرة أيضا من طريق آخر قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنادي لا صلاة إلا بقر، ة الفاتحمة فما زاد
157- أخرجه أبو داود في الباب الآنف الذكر ومسلم عن أبي هريرة من طرق كثيرة في باب وجوب قراءة الفاتحة من كل ركعة من صحيحه.
158- سورة المزمل، الآية: 20.
159- سورة الشعراء، الآية: 196.
160- سورة الأعلى. الآية: 18، 19.
161- قال الامام النووي الشافعي في باب وجوب قراءة الفاتحة من شرحه لصحح مسلم: والذي عليا جمهور العلماء من السلف والخلف وجوب الفاتحة في كل ركعة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم للإعرابي الذي لم يحسن صلاته: افعل ذلك في صلاتك كله. قلت: وقد تعلم أن النووي والشافعي وغيرهما ممن يوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة لا يسنى له اعتبار حديث أبي هريرة إلا بعمل قوله فيه: فاقرأ ما تيسر معك من القرآن على خصوص الفاتحة.
162- يجب عندنا في كل من الركعتين الأوليين من الفرائض الخمس قراءة سورة كاملة بعد الفاتحة لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي قتادة وقد أخرجا البخاري في صحيحه وأخرجه غيره، ويجوز عندنا ترك السورة في بعض الأحوال بل قد يجب مع ضيق الوقت ونحوه من موارد الضرورة، أما النافلة فيجب فيها الفاتحة فقط ومعنى وجوبها فيها أنها شرط في صحته.
163- لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، وهذا حديث مأثور عند الجمهور من عدة طرق تجده في مبحث قراءة الفاتحة من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة وتجد ثمة القول بمنع المأموم عن القراءة مأثورا عن أمير المؤمنين والعبادلة في ثمانين من كبار الصحابة، بل تجد القول بفساد صلاة المأموم إذ قرأ خلف لم أمامه مأثورا عن عدة أخرى من الصحابة. والأحوط عندنا بل الأقوى للمأموم ترك القراءة في الركعتين الأوليين من الاخفاتية ،وكذا في الأوليين من الجهرية إذا سمع من صوت إمامه ولو الهمهمة عملا بقولا تعالى: {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلك ترحمون }. إما إذا لم يسع حتى الهمهمة جاز للمأمون بل استحب له القراءة.
164- كما نص علبه الإمام السندي في تعليقه على حديث سعد من صحيح البخاري الذي أشرنا إليه في الأصل.



يتبع
22-03-2017 05:18 PM
عباس محمد س تكبيرة الإحرام
أجمع الامامية - تبعا لأئمة العترة الطاهرة عليهم السلام- على أن تكبيرة الإحرام ركن من كل فريضة وكل نافلة لا تنعقد الصلاة إلا بها: وصورتها "الله أكبر" خاصة، فلو افتتح المصلي صلاته بتسبيح الله أو تهليله أو بقول "الله كبير" أو "الله الأكبر" أو "الله أعظم" أو نحوها لا يصح، فضلا عن رطانتها بإحدى اللغات الأعجمية، وحسبنا في ثبوت افتراضها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفتتح صلاة من صلواته كلها إلا بها، وقد عرفت قريبا أن الأصل فيما يفعله في صلاته صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو الوجوب لقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".

على أن افتراضها ثابت في الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ وقد انعقد الإجماع على أن المراد به تكبيرة الإحرام لأن الأمر للوجوب، وغيرها ليس بواجب اجماعاً. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" رواه أبو داود في سننه.

وقال الحنفية أن التحريم ليس ركناً في الصلاة، وإنما هو متصل بالقيام الذي هو ركن، فيجب فيه استقبال القبلة وستر العورة والكون على طهارة لا لنفسه بل لاتصاله بالركن، وقالوا لا يشترط فيها اللغة العربية واكتفوا بترجمتها بأي لغة شاء المصلي، سواء أكان عاجزا عن العربية أم قادرا عليها فتعقد الصلاة عندهم بقول المصلي: "خدا بزرك" مثلاً عوضاً

83

عن الله أكبر، قالوا ويصح الإحرام بالتسبيح أو التهليل وبكل اسم من أسمائه تعالى بدون أن يزاد عليه شيء ، كأن يفتتحها بقول "الله " أو "الرحمن" أو نحو ذلك من أسمائه الحسنى مجردة مع الكراهة، هذا مذهبهم لا يختلفون فيه، وحجتهم إنما هي الاستحسان كما سمعت، والجواب هوا لجواب والله الموفق للصواب.



يتبع
22-03-2017 05:17 PM
عباس محمد س الجمع بين الصلاتين
لا خلاف - بين أهل القبلة من أهل المذاهب الإسلامية كلها – في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين الفريضتين - الظهر والعصر - وهذا في اصطلاحهم جمع تقديم، كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين الفريضتين124 - المغرب والعشاء - وهذا في الاصطلاح جمع تأخير125، بل لا خلاف في استحباب هذين الجمعين وأنهما من السنن النبوية، وإنما اختلفوا في جواز الجمع بين الصلاتين فيما عدا هذين.

ومحل النزع هنا: إنما هو جواز الجمع بين الفريضتين بأدائهما معا في وقت أحداهما تقديما على نحو الجمع بعرفة، أو تأخيرا على نحو الجمع بالمزدلفة.

وقد صدع الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجوازه مطلقا غير أن التفريق أفضل، وتبعهم في هذا شيعتهم في كل عصر ومصر فإذا هم يجمعون غالبا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء سفرا وحضرا لعذر أو لغير عذر، وجمع التقديم وجمع التأخير عندهم في الجواز سواء.

أما الحنفية: فمنعوا الجمع فيما عدا جمعي عرفة والمزدلفة بقول

71

مطلق مع توفر الصحاح الصريحة بجواز الجمع ولا سيما في السفر، لكنهم تأولوها على صراحتها فحملوها على الجمع الصوري وسيتضح لك بطلان ذلك قريبا إن شاء الله تعالى.

وأما الشافعية والمالكية والحنبلية: فأجازوه في السفر على خلاف بينهم فيما عداه من الأعذار كالمطر والطين والمرض والخوف وعلى تنازع في شروط السفر المبيح له126.

حجتنا التي نتعبد فيما بيننا وبين الله سبحانه في هذه المسألة وفي غيرها إنما هي صحاحنا عن أئمتنا عليهم السلام، وقد نحتج على الجمهور بصحاحهم لظهورها فيما نقول، وحسبنا منها ما قد أخرجه الشيخان في صحيحيهما، واليك ما أخرجه مسلم في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر من صحيحه إذ قال :

حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا127 في غير خوف ولا سفر.

قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن ديار،عن أبي الشعثاء جابر بن زيد،عن ابن عباس قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً. قال عمرو بن ديار قلت: يا أبا

72

الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء . قال :وأنا أظن ذلك . قلت : إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا .
قال : حدثنا أبو الربيع الزهراني ، حدثنا حماد بن زيد، عن عمرو بندينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس : ان رسول الله ’صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء .

قال : وحدثني: أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد عن الزبير بن الخريت ، عن عبد الله بن شقيق قال : خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة ،قال :فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني : الصلاة الصلاة ،قال : فقال ابن عباس : اتعلمني بالسنة لا : أم لك ؟ ثم قال : رأيت رسول الله ’جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال عبد الله بن شقيق فحاك في صدري
من ذلك شي ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته .

قال : وحدثا ابن أبي عمر، حدثنا وكيع ، حدثنا عمران بن حدير، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : قال رجل لابن عباس : الصلاة فسكت ،ثم قال : الصلاة فسكت ، ثم قال : الصلاة فسكت ،فقال ابن عباس : لا أم

73

لك، أتعلمنا بالصلاة كنا نجمح بين الصلاتين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قلت: وللنسائي عن طريق عمرو بن هرم، عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس صلى في البصرة الظهر والعصر ليس بينهما شي، فعل ذلك من شغل، وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم128.

قال مسلم: وحدثا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعا، عن زهير، قال ابن يونس: حدثا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الظهر والعصر جميعا بالمدينة في غير خوف ولا سفر129. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً لم فعل ذلك ؟ فقال :سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته.

قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية، وحدثنا أبو كريب، وأبو سعيد الأشج واللفظ لأبي كريب قالا - يعني أبا كريب وأبا معيد - حدثنا وكيع وأبو معاوية كلاهما، عن الأعمش،عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر.

قال: وفي حديث وكيع قال: قلت لابن عباس لم فعل ذلك ؟ قال كيلا يحرج أمته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك ؟ قال: أراد ان لا يحرج أمته.

قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحرث،

74

حدثنا قرة بن خالد، حدثنا أبو الزبير، حدثنا سعيد بن جبير، حدثنا ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. قال سعيد نقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك ؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

قال: حدثنا يحيى بن حبيب، حدثنا خالد بن الحرث،حدثنا قرة بن خالد،حدثنا أبو الزبير، حدثنا عامر بن وائلة أبو الطفيل، حدثنا معاذ بن جبل قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. قال فقلت: ما حمله على ذلك ؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته.

قلت: هذه الصحاح صريحة في أن العلة في تشريع الجمع إنما هي التوسعة بقول مطلق على الأمة وعدم إحراجها بسبب التفريق رأفة بأهل الأشغال وهم أكثر الناس،والحديثان الأخيران - حديث معاذ والذي قبله. لا يختصان بموردهما. اعني السفر. إذ علة الجمع فيهما مطلقة لا دخل فيها للسفر من حيث كونه سفرا، ولا للمرض والمطر والطين والخوف من حيث هي هي وإنما هي كالعام يرد في مورد خاص،فلا يتخصص به بل يطرد في جميع مصاديقه، ولذا ترى الإمام مسلما لم يوردهما في باب الجمع في السفر إذ لا يختصان به وإنما أوردهما في باب الجمع في الحضر ليكونا أدلة من جواز الجمع بقول مطلق وهذا من فهمه وعلمه وإنصافه.

وصحاحه - في هذا الموضوع. التي سمعتها والتي لم تسمعها كلها على شرط البخاري، ورجال أسانيدها كلهم قد احتج البخاري بهم في صحيحه، فما المانع له يا ترى من إيرادها بأجمعها في صحيحه ؟ وما الذي

75

دعاه إلى الاقتصار على الزر اليسير منها ؟ ولماذا لم يعقد في كتابه باباً للجمع في الحضر ولا بابا للجمع في السفر؟ مع توفر الصحاح - على شرطه - الواردة في الجمع، ومع أن أكثر الأئمة قائلون به في الجملة، ولماذا اختار من أحاديث الجمع ما هو أخسها دلالة عليه ؟ لم وضعه في باب يوهم صرفه عن معناه ؟ فإني أربأ بالبخاري وأحاشيه أن يكون كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه،أو الذين يكتمون الحق وهم يعلمون.

وإليك ما اختاره في هذا الموضوع، ووضعه في غير موضعه، إذ قال- في باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب مواقيت الصلاة من صحيحه130-: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد،عن عمرو بن دينار،عن جابر بن زيد،عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطرية، قال: عسى. قلت: إن يتبعون إلا الطن.

وأخرج في باب وقت المغرب عن آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن زيد عن ابن عباس قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعا جميعا وثمانيا جميعاً.

76

وأرسل في باب " ذكر العشاء والعتمة " عن ابن عمر، وأبي أيوب، وابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى المغرب والعشاء - يعني جمعهما - في وقت أحداهما دون الأخرى.

وهذا النزر اليسير من الجم الكثير من صحاح الجمع كاف في الدلالة على ما نقول كما لا يخفى، ويؤيده ما عن ابن مسعود إذ قال: جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم - يعني في المدينة - بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له ذلك، فقال: صنعت هذا لئلا تحرج أمتي. أخرجه الطبراني131.

والمأثور عن عبد الله بن عمر132 إذ قيل له: لم ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع ين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مقيما غير مسافر،أنه أجاب بقوله :فعل ذلك لئلا تحرج أمته.

وبالجملة فإن علما، الجمهور كافة ممن يقول بجواز الجمع وممن لا يقول به متصافقون على صحة هذه الأحاديث وظهورها فيما نقول من الجواز مطلقا،فراجع ما شئت مما علقوه عليها يتضح لك ذلك 133. نعم

77

تأولوها حملا لها على مذاهبهم، وكانوا في تأولها على غمة وفي ليل من الحيرة مظلم، وحسبك ما نقله النووي عنهم في تعليقه على هذه الأحاديث من شرحه لصحيح مسلم إذ قال - بعد اعتبارها ظاهرة في الجمع حضرا -: وللعلماء، فيها تأويلات ومذاهب:

فمنهم: من تأولها على أنه جمع لعذر المطر. قال: وهذا مشهور عن جماعة من كبار المتقدمين134. قال: وهو ضعيف بالرواية الثانية عن ابن عباس من غير خوف ولا مطر.

قال: ومهم: من تأولها على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم وظهر أن وقت العصر دخل فصلاها فيه135 136. قال: وهذا أيضا باطل، لأنه إذ كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء،.

قال: ومنهم: من تأولها على تأخير الأولى إلى آخر وقتها فصلاها فيه فلما فرغ منها دخل وقت العصر فصلاها فيه فصار جمعه للصلاتين صورياً137. قال: وهذا ضعيف أيضا أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل.

قال: وفعل ابن عباس حين خطب فناداه الناس الصلاة الصلاة ! وعدم مبالاته بهم واستدلاله بالحديث لتصويب فعله بتأخيره صلاة

78

المغرب إلى وقت العشاء، وجمعهما جميعا في وقت الثانية وتصديق أبي هريرة له وعدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل.

قلت: ورده ابن عبد البر والخطابي وغيرهما بان الجمع رخصة فلو كان صوريا لكان أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلا عن العامة (قالوا) ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته (قالوا) وأيضا فصريح إخبار الجمع بين الفريضتين إنما هو بأدائهما معا في وقت أحداهما دون الأخرى إما بتقديم الثانية على وقتها وأدائها مع الأولى في وقتها أو بتأخير الأولى عن وقتها إلى وقت الثانية وأدائهما وقتئذ معا. (قالوا) وهذا هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق لفظ الجمع في السنن كلها وهذا هو محل النزاع.

قال النووي: ومنهم: من تأولها فحملها على الجمع لعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه. قال: وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابي والمتولي ولروياني من أصحابنا، وهو المختار في تأويلها، لظاهر الأحاديث.

قلت: لا ظهور في الأحاديث ولا دلالة فيها عليه بشي، من الدوال، والقول به تحكم كما اعترف به القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري138. وقد تعقبه الأعلام أيضاً إذ قال: وقيل إن الجمع كان

79

للمرض، وقواه النووي، وفيه نظر: لأنه لو جمع للمرض لما صلى معه إلا من به المرض، والظاهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم جمع بأصحابه، وبه صرح ابن عباس في رواية ثابتة عنه. انتهى 139.

قلت: ولما لم يكن لصحاح الجمع تأويل يقبله العلماء، رجح قوم من الجمهور إلى رأينا في المسألة تقريبا من حيث لا يقصدون، وقد ذكرهم النووي بعد أن زيف التأولات بما سمعت فقال: وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال ألشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر قال: ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، إذ لم يعلله بمرض ولا غيره والله أعلم هذا كلامه140 وبه صرح غير واحد من أعلامهم141.

ولعل المحققين منهم في هذا العصر على رأينا كما شافهني به غير واحد منهم، غير أنهم لا يجرأون على مبادهة العامة بذلك، وربما يمنعهم الاحتياط، فإن التفريق بين الصلوات مما لا خلاف فيه، وهو أفضل بخلاف الجمع، لكن فاتهم أن التفريق قد أدى بكثير من أهل الأشغال إلى

80

ترك الصلاة كما شاهدناه عيانا، بخلاف الجمع فإنه أقرب إلى المحافظة على أدائها، وبهذا يكون الأحوط للفقها، أن يفتوا العامة بالجمع وأن ييسروا ولا يعسروا ﴿... يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...﴾142، ﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...﴾143 والدليل على جواز الجمع مطلقا موجود والحمد لله سنة صحيحة صريحة كما سمعت، بل كتابا محكما مبينا، ألا تصغون لأتلو عليكم من محكماته ما يتجلى به أن أوقات الصلوات المفروضة ثلاثة فقط، وقت لفريضتي الظهر والعصر مشتركا بينهما، ووقت لفريضتي المغرب والعشاء على الاشتراك بينهما أيضا،وثالث لفريضة الصبح خاصة، فاستمعوا له وأنصتوا ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾144.

قال الأمام الرازي حول تفسيرها - من سورة الإسراء، ص 428 من الجزء الخامس من تفسيره الكبير - ما هذا لفظه: فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب145 وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت أول المغرب، ووقت الفجر. قال: وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء، فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين. قال: فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين

81

المغرب والعشاء، مطلقا146، قال: إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزاً لعذر السفر وعذر المطر وغيره.

قلت: أمعنا بحثاً عما ذكره من دلالة الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز فلم نجد له - شهد الله - عينا ولا أثرا، نعم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمع في حال العذر، وقد جمع أيضا في حال عدمه لئلا يحرج أمته، ولا كلام في أن التفريق أفضل، ولذلك كان يؤثره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا لعذركما هي عادته في المستحبات كلها صلى الله عليه وآله وسلم.
82

هوامش
124- إنما انعقد إجماع أهل القبلة على جوازز الجمع بعرفة والمزدلفة للحجاج خاصة , أنا غيرهم فمحل خلاف.
125- وذلك لتأخير الصلاة عن وقتها وجمعها مع العشاء في وقتها كما أن الجمع في عرفة إنما كان جمع تقديم لتقديم صلاة العصر عن وقتها وجمعها مع الظهر في وقته.
126- وذلك أن منهم من اشترط سفر القربة كالحج والعمرة والغزو ونحو ذلك دون غيره، ومنهم من اشترط الإباحة دون مفر المعصية، ومنهم من اشترط ضربا خاصا من السير، ومنهم من لم يشترط شيئا فأي سفر كان وبأي صفة كان يراه مبيحا للجمع، والتفصيل في فقههم.
127- لعلك لا تجهل أن اصطلاحهم في الجمع بين الصلاتين إنما هو إيقاعهما معا في وقت إحداهما دون الأخرى جمع تقديم أو جمع تأخير. هذا هو مراد المتقدمين منهم والمتأخرين من عهد الصحابة إلى يومنا هذ، وهذا هو محل النزاع كما سمعته في الأصل.
128- كما نقله الزرقاني في الجمع بين الصلاتين من شرح الموطأ ص 267من جزئه الأول.
129- وهذا الحديث مما أخرجه مالك في باب الجمع بين الصلاتين من الموطأ ؟ والامام أحمد عن ابن عباس في مسنده.
130- تعقبه شيخ الإسلام الأنصاري عند بلوغه إلى هذا الباب من شرحه – تحفة الباري – فقال: المناسب للحديث باب: صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء , ففي التعبير بما قاله تجوز وقصور إلى أن قال: وتأويل ذلك بأنه فرغ من الأولى فدخل في وقت الثانية فصلاها عقبها خلاف الظاهر , انتهى بلفظه في آخر 293 في الجزء الثاني من شرحه إرشاد الساري: وتأوله على الجمع الصوري بأن يكون آخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها ضعيف لمخالفة الظاهر وهكذا قال أكثر علمائهم ولا سيما شارحو صحيح البخاري كما ستسمعه في الأصل إن شاء الله.
131- كما في أواخر ص 263من الجز، الأول من شرح الموطأ للزرقاني قال: وإرادة نفي الحرج تقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج.
132- في حديث تجده في صفحة 242 من الجز، الرابع من كنز العمال عدده في تلك الصفحة 5، 78 مسنداً إلى عبد الله.
133- وحسبك تعليق النووي شرحه لصحيح مسلم، والزرقاني في شرحه لموطأ مالك، والعسقلاني والقسطلاني وزكريا الانصاري في شروحهم لصحيح البخاري، وسائر من علق على أي كتاب من كتب السنن يشتمل على حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين
حيث صححوه بكل طرقه التي نقلناها عن صحيحي مسلم والبخاري واستظهروا منها جواز الجمع في الحضر لمجرد وقاية الأمة من الحرج، وما أدري والله ما الذي حملهم على الإعراض عنه، ولعل هذا من حظ أهل البيت عندهم.
134- كالإمامين مالك والشافعي وجماعة من أهل المدينة.
135- على أنه بعيد عن اللفظ غاية البعد ولا قرينة عليه.
136- هذا خرط ومجازفة ورجم بالغيب.
137- وقد تعلم أن أبا حنيفة وأصحابه تأولوا صحاح الجمع حضرا وسفرا بحملها كلها على الجمع الصوري فقالوا بمنع الجمع مطلق، وهذا غريب منهم إلى.بعد غاية وقد كفانا مناقشتهم والبحث معهم عدة من الأعلام تسمع في الأصل كلامهم.
138- فراجع من شرحه إرشاد الساري باب تأخير الظهر إلى العصر تجد في ص 293 من جزئه الثاني ما هذا لفظه: وحمله _ أي حديث ابن عباس في الجمع حضرا _ بعضهم على الجمع للمرض، وقواه النووي، فتعقبوه أنه مخالف لظاهر الحديث، وتقييده به ترجيح بلا مرجع وتخصيص بلا مخصص.
139- فراجعه في ص 267من الجز، الأول من شرح الزرقاني لموطأ هالك في باب الجمع بين الصلاتين.
140- في ص 455 من الجز، الرابع من شرحه لصحيح مسلم المطبوع في هامش إرشاد الساري وتحفة الباري شرحي صحيح البخاري ولا يخفى ميل النووي إليه في آخر كلامه إذ أيده بقول ابن عباس وعلق على قول ابن عباس قوله فلم يعلله بمرض ولا غيره فكان آخر كلامه ناقصا لتأويله.
141- كالزرقاني في شرحه للموطأ وسائر من علق على حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين ممن شرح الصحاح والسنن العسقلاني والقسطلاني وغيرهما
142- سورة البقرة، آية: 185.
143- سورة الحج، آية: 78.
144- سورة الإسراء، آية: 78.
145- هذا المعنى نقله الرازي _ حول الآية من تفسيره الكبير - عن ابن عباس وعط، والنضر بن شميل، ونقله الإمام الطبرسي _ في مجمع البيان - عن ابن عباس وقتادة.
146- أما إذا فسرنا الفسق بتراكم الظلمة وشدتها نصف الليل _ كما عن الصادق عليه السلام فوقت الفرائض الأربع الظهر والعصر والمغرب والعشاء ممتد من الزوال إلى نصف الليل ،فالظهر والعصر يشتركان في الوقت من الزوال إلى الغروب إلا أن الظهر قبل العصر، ويشترك المغرب والعشاء، من الغروب إلى نصف الليل غير أن المغرب قبل العشاء،أما فريضة الصبح فقد اختصها الله بوقتها المنوه به في قوله سبحانه: {وقرأن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً }.



يتبع
22-03-2017 05:17 PM
عباس محمد س الشهادة لـ علي عليه السلام بالولاية في الآذان والإقامة
فصول الأذان عندنا ثمانية عشر، الله أكبر أربعا، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على خير العمل، الله أكبر، لا إله إلاَّ الله. كل منها مرتان.

وفصول الإقامة سبعة عشر، هي فصول الأذان غير أنها مثنى مثنى إلاَّ "لا إله إلاَّ الله" فمرَّة واحدة، ويزاد فيها "يعد الحيعلات الثلاث قبل التكبير" قد قامت الصلاة، مرتين.

ويستحب الصلاة على محمد وآل محمد بعد ذكره صلى الله عليه وآله وسلم كما يستحب إكمال الشهادتين بالشهادة لعلي بالولاية لله تعالى وإمرة المؤمنين في الأذان والإقامة.

وقد أخطأ وشذ من حرم ذلك وقال بأنه بدعة، فان كل مؤذن في الإسلام يقدم كلمة للأذان يوصلها به، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا...﴾123، أو نحوها، ويلحق به كلمة يوصله بها كقوله: (الصلاة والسلام عليك يا رسول الله) أو نحوها، وهذا ليس من المأثور عن الشارع في الأذان، وليس ببدعة ولا هو محرم قطعا، لأن المؤذنين كلهم لا يرونه من فصول الأذان، وإنما يأتون به عملا بأدلة عامة تشمله، وكذلك الشهادة

69

لعلي بعد الشهادتين في الأذان، فإنما هي عمل بأدلة عامة تشملها.

على ان الكلام القليل من سائر كلام الآدميين لا يبطل به الأذان ولا الاقامة ولا هو حرام في أثنائها، فمن أين جاءت البدعة والحرام ؟ وما الغاية بشق عصا المسلمين في هذه الأيام ؟
70

هوامش
123- سوره الاسراء، آلاية: 111




يتبع
هذا الموضوع يحتوي على أكثر من 20 رد . إضغط هنا لعرض كامل الموضوع.

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 03:43 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin