منتديات يا حسين

منتديات يا حسين (http://www.yahosein.com/vb/index.php)
-   منتدى الفقه (http://www.yahosein.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   التثويب في آذان صلاة الفجر (http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=6158)

أمين العرب 12-09-2002 01:32 PM

التثويب في آذان صلاة الفجر
 
العلامة الشيخ جعفر السبحاني

اتفقت الشيعة الإمامية - تبعاً للنصوص المتضافرة من أئمة أهل البيت - على أن الأذان - ومثله الإقامة - من صميم الدين ومن شعائره، أنزله الله سبحانه على قلب سيد المرسلين وأن الله الذي فرض الصلاة، هو الذي فرض الأذان، وأن منشئ الجميع واحد، ولم يشارك في تشريعه أي ابن أنثى، لا في اليقظة ولا في المنام. ففي جميع فصوله من التكبير إلى التهليل مسحة إلهية، وعذوبة وإخلاص، وسموّ المعنى وفخامته، تثير شعور الإنسان إلى مفاهيم أرقى، وأعلى وأنبل مما في عقول الناس. ولو حاولت يد التشريع الإنساني أن تضيف فصلاً إلى فصوله أو تقحم جملة في جمله لأصبح المضاف كالحصى بين الدرر والدراري.

والفصل الأول من فصوله يشهد على أنه سبحانه أكبر من كل شيء وبالتالي: أقدر وأعظم وأن غيره من الموجودات وإن بلغ من العظمة ما بلغ، ضئيل وصغير عنده خاضع لمشيئته.

والفصل الثاني يشهد على أنه سبحانه هو الإله في صفحة الوجود وأن ما سواه سراب ما أنزل الله به من سلطان.

وثالث الفصول، يشهد على أن محمداً (صلى الله عليه وآله) رسوله، الذي بعثه لإبلاغ رسالاته وإنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل صراحه وإعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتصل الإنسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثم الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل(2) التي تنطوي عليها الصلاة.

وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الأبدية التي صرّح بها في أوليات فصوله ويقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله.

هذه هي حقيقة الأذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جملٍ، تحكي عن حقائق أبدية، تصدّ الإنسان عن الانكباب في شواغل الدنيا وملاذها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للأذان، ومتدبر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاؤها - بشرط التجرد عن كل رأي مسبق، أو تعصب لمذهب - وهو أن المؤذن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل - في أذان صلاة الفجر - إلى الإعلان بأن الصلاة خير من النوم، فكأنما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلامٍ عار عن الرفعة والبداعة، يعلن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح - بجدٍّ وحماس - على شيء لا يجهله إلا من يجهل البديهيات، فإن صراخه وإعلانه بأنها خير من النوم، أشبه بصراخ من يعلن في محتشد كبير بأن الاثنين نصف الأربعة.

هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت الله الحرام عام 1375 وأنا أستمع للأذان في الحرمين الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيلتي أن هذا الفصل ليس من كلام الوحي وإنما أقحم بسبب، بين فصول الأذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع فلم أر بدّاً من البحث عن أمرين:


1- كيفية تشريع الأذان ودراسة تاريخه.


2- ما هو السبب لدخول هذا الفصل بين فصول الأذان.

أمين العرب 13-09-2002 09:09 PM

تابع
 
المقام الأول

كيفية تشريع الأذان ودراسة تاريخه


اتفق أئمة أهل البيت على أن الله سبحانه هو المشرّع للأذان، وأنه هبط به جبرائيل وعلّمه رسول الله وهو علّمه بلالاً، ولم يشارك في تشريعه أحد. وهذا عندهم من الأمور المسلّمة، نذكر بعض ما أثر عنهم:

1- روى ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى السماء فبلغ البيت المعمور، وحضرت الصلاة، فأذن جبرائيل (عليه السلام) وأقام فتقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصفّت الملائكة والنبيون خلف محمد (صلى الله عليه وآله).

2- روى أيضاً بسند صحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: لما هبط جبرائيل بالأذان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فأذّن جبرائيل وأقام(3) فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: علي سمعت؟ قال: نعم(4) قال: حفظتَ؟ قال: نعم. قال: ادع لي بلالاً، فدعا علي (عليه السلام) بلالاً فعلّمه.

3- روى أيضاً بسند صحيح أو حسن عن عمر بن أذينة عن الصادق (عليه السلام) قال: تروي هؤلاء؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: كذبوا فإن دين الله أعز من أن يرى في النوم. قال: فقال له الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكراً. فقال أبو عبد الله (الصادق): إن الله تعالى لمّا عرج بنبيه (صلى الله عليه وآله) إلى سماواته السبع إلى آخره(5).

4- وروى محمد بن مكي الشهيد في الذكرى عن فقيه الشيعة في أوائل القرن الرابع، أعني ابن أبي عقيل العماني أنه روى عن الإمام الصادق: أنه لعن قوماً زعموا أن النبي أخذ الأذان من عبد الله بن زيد(6) فقال: ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد(7).

وليست الشيعة متفردة في هذا النقل عن أئمة أهل البيت، فقد روى الحاكم وغيره نفس النقل عنهم وإليك بعض ما أثر في ذلك المجال عن طريق أهل السنة.

5- روى الحاكم عن سفيان بن الليل قال: لما كان من الحسن بن علي ما كان، قدمت عليه المدينة قال: فقد ذكروا عنده الأذان فقال بعضنا: إنما كان بدء الأذان برؤيا عبد الله بن زيد، فقال له الحسن بن علي: إن شأن الأذان أعظم من ذلك، أذن جبرائيل في السماء مثنى، وعلّمه رسول الله وأقام مرة مرة(8) فعلمه رسول الله(9).

6- روى المتقي الهندي عن هارون بن سعد عن الشهيد زيد بن الإمام علي ابن الحسين عن آبائه عن علي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عُلّم الأذان ليلة أسري به وفرضت عليه الصلاة(10).

7- روى الحلبي عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إننا لنتحدث أن بدء الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعاً شديداً وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام، ومعالم دينكم، فزعمتم أنه كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام، قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس، قال: هذا والله الباطل..(11)

8- روى المتقي الهندي عن مسند رافع بن خديج: لما أسري برسول الله إلى السماء أوحي إليه بالأذان فنزل به فعلّمه جبرائيل. (الطبراني في الأوسط عن ابن عمر)(12).

9- ويظهر مما رواه عبد الرزاق ابن جريج: قال عطاء: إن الأذان كان بوحي من الله سبحانه(13).

10- قال الحلبي: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرّع بمكة قبل الهجرة، فمن تلك الأحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر.. ونقل الرواية الثامنة(14).

هذا هو تاريخ الأذان وطريق تشريعه أخذته الشيعة من عين صافية من أناس هم بطانة سنة الرسول يروي صادق عن صادق حتى ينتهي إلى الرسول.

وأما غيرهم فقد رووا في تاريخ تشريع الأذان أموراً لا تصح نسبتها إلى الرسول الأعظم، يروون أن الرسول كان مهتمّاً بأمر الصلاة ولكن كان متحيراً في أنه كيف يجمع الناس إلى الصلاة، مع بُعد الدار وتفرّق المهاجرين والأنصار في أزقّة المدينة، فاستشار أصحابه في حلّ العقدة فأشاروا إليه بعدّة أمور:

1- أن يستعين بنصب الراية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه.

2- أشاروا إليه باستعمال القبع أي بوق اليهود، فكرهه النبي.

3- أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أولاً ثم أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.

كان النبي الأكرم على هذه الحالة إذ جاء عبد الله بن زيد وأخبر رسول الله بأنه كان بين النوم واليقظة إذ أتاه آت فأراه الأذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثم أخبر به النبي فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت، فقال رسول الله: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الأذان وأذّن.

هذا مجمل ما يرويه المحدثون حول تاريخ تشريع الأذان، فتجب علينا دراسة إسناده ومتونه، وإليك البيان

أمين العرب 13-09-2002 09:19 PM

تابع ....
 
الأولى: لا تتفق مع مقام النبوة:

إنه سبحانه بعث رسوله لإقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة. وطبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقق هذه الأمنية. فلا معنى لتحيّر النبي أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الأولى التي رواها أبو داود وهو لا يدري كيف يحقق المسؤولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، وأخرى بذاك حتى يرشد إلى الأسباب والوسائل التي تؤمّن مقصوده، مع أنه سبحانه يقول في حقه: (وكان فضل الله عليك عظيماً)(سورة النساء: الآية 113) والمقصود من المفضل هو العلم بقرينة ما قبله: (وعلّمك ما لم تكن تعلم).

إن الصلاة والصيام من الأمور العبادية وليسا كالحرب والقتال الذي ربما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه ولم يكن تشاروه في كيفية القتال عن جهله بالأصلح، وإنما كان لأجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله)(سورة آل عمران: الآية 159).

أليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الرؤيا والأحلام والمنامات من أفراد عاديين، مصدراً لأمر عبادي في غاية الأهمية كالأذان والإقامة؟

إن هذا يدفعنا إلى القول بأن كون الرؤيا مصدراً للأذان أمر مكذوب على الشريعة، ومن القريب جداً أن عمومة عبد الله بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الرؤيا وروّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم. ولذلك نرى في بعض المسانيد أن بني عمومته هم رواة هذا الحديث، وأن من اعتمد عليهم إنما كان لحسن ظنه بهم.


الثانية: أنها متعارضة جوهراً:

إن الروايات الواردة حول بدء الأذان وتشريعه متعارضة جوهراً من جهات:

1- إن مقتضى الرواية الأولى (رواية أبي داود) أن عمر بن الخطاب رأى الأذان قبل عبد الله بن زيد بعشرين يوماً. ولكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجه) أنه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد الله بن زيد.

2- إن رؤيا عبد الله بن زيد هو المبدأ للتشريع، وأن عمر بن الخطاب لما سمع الأذان جاء إلى رسول الله وقال: إنه أيضاً رأى نفس تلك الرؤيا ولم ينقلها إليه استحياءً.

3- إن المبدأ به، هو نفس عمر بن الخطاب، لا رؤياه لأنه هو الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أخرى عن الأذان، روى الترمذي في سننه وقال: كان المسلمون حين قدموا المدينة.. - إلى أن قال -: وقال بعضهم: اتخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بلال قم فناد بالصلاة، أي الأذان.

نعم فسرّ ابن حجر النداء بالصلاة بـ(الصلاة جامعة)(19) ولا دليل على هذا التفسير.

ورواه النسائي والبيهقي في سننهما(20).

4- إن مبدأ التشريع هو نفس النبي الأكرم.

روى البيهقي:.. فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. قال: ورواه البخاري عن محمد بن عبد الوهاب ورواه مسلم عن إسحاق بن عمار(21).

فمع هذا الاختلاف في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول.


الثالثة: إن الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً:

يظهر مما رواه الحلبي أن الرائي للأذان لم يكن منحصراً بابني زيد والخطاب بل ادعى أبو بكر أنه أيضاً رأى نفس ما رأياه وقيل: أنه ادعى سبعة من الأنصار، وقيل: أربعة عشر(22) كلهم ادعوا بأنهم رأوا في الرؤيا الأذان، وليست الشريعة ورداً لكل وارد، فإذا كانت الشريعة والأحكام خاضعة للرؤيا والأحلام فعلى الإسلام السلام. فالرسول (صلى الله عليه وآله) يستسقي تشريعاته من الوحي لا من أحلامهم.


الرابعة: التعارض بين نقلي البخاري وغيره:

إن صريح صحيح البخاري أن النبي أمر بلالاً في مجلس التشاور بالنداء للصلاة وعمر حاضر حين صدور الأمر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله: يا بلال قم فناد بالصلاة(23).

وصريح أحاديث الرؤيا: أن النبي إنما أمر بلالاً بالنداء عند الفجر إذ قصّ عليه ابن زيد رؤياه ذلك بعد الشورى بليلة - في أقل ما يتصور - ولم يكن عمر حاضراً وإنما سمع الأذان وهو في بيته، خرج وهو يجر ثوبه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى.

وليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء بـ(الصلاة جامعة) وحمل أحاديث الرؤيا على التأذين بالأذان، فإنه جمع بلا شاهد أولاً، ولو أمر النبي بلالاً برفع صوته بـ(الصلاة جامعة) لحلّت العقدة ثانيا، ورفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة (الصلاة جامعة) ولم يبق موضوع للحيرة وهذا دليل على أن أمره بالنداء، كان بالتأذين بالأذان المشروع(24).

هذه الوجوه الأربعة ترجع إلى دراسة مضمون الأحاديث وهي بوحدها كافية في سلب الركون إليها. وإليك دراسة إسنادها واحداً بعد الآخر. وهي بين موقوف لا يتصل سندها بالنبي الأكرم، ومسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، وإليك البيان حسب الترتيب السابق.


أما الرواية الأولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:

1- تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الأنصار.

2- يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر ويقول فيه: روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي في رؤية الهلال وفي الأذان.

وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.

وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به(25).

وقال جمال الدين: هذا ما حدث به في الموضوعين: رؤية الهلال والأذان جميع ما له عندهم(26).


أما الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به نظير:

1- محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد الله المتوفى حدود عام 120.

قال أبو جعفر العقيلي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة(27).

2- محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فإن أهل السنة لا يحتجون برواياته، وإن كان هو الأساس لـ(سيرة ابن هشام - المطبوعة -).

قال أحمد بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عنه فقال:.. ضعيف عندي سقيم ليس بالقوي.

وقال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي(28).

3- عبد الله بن زيد، رواية الحديث وكفى في حقه أنه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي إلا حديث الأذان، قال الحاكم: الصحيح أنه قتل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي إلا حديث الأذان(29).

وروى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلا حديث الأذان(30).

وقال الحاكم: عبد الله بن زيد هو الذي أُري الأذان، الذي تداوله فقهاء الإسلام بالقبول ولم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده(31).


وأما الرواية الثالثة: فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وقد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أن عبد الله بن زيد كان قليل الرواية، والروايات كلها عنه منقطعة.


وأما الرواية الرابعة: فقد جاء في سندها:

1- عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله المدني.

قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرها يحمدونه وكذلك قال علي بن المديني.

وقال علي أيضاً: سمعت سفيان وسئل عن عبد الرحمن بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة فجاءنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه.

وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.

وقال أحمد بن عبد الله العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي.

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.

وقال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه.. ولا يعرف له بالمدينة تلميذ إلا موسى الزمعي، روى عنه أشياء في عدة منها اضطراب.

وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر. وقال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع(32).

أمين العرب 13-09-2002 09:25 PM

تابع
 
2- محمد بن عبد الله الواسطي (150-240) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين فقال: رجل سوء كذاب، وأخرج أشياء منكرة، وقال أبو عثمان سعيد بن عمر البردعي: وسألته - أبا زرعة - عن محمد بن خالد، فقال رجل سوء وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطئ ويخالف(33).

وقال الشوكاني بعد نقل الرواية: وفي إسناده ضعف جداً(34).


وأما الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:

1- محمد بن إسحاق بن يسار.

2- محمد بن الحارث التيمي.

3- عبد الله بن زيد.

وقد تعرّفت على جرح الأولين، وانقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث وبذلك يتضح حال السند السادس فلاحظ.

هذا ما ورد في الصحاح، أما ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الإمام أحمد، والدارمي، والدار قطني في مسانيدهم، والإمام مالك في موطئه، وابن سعد في طبقاته والبيهقي في سننه وإليك البيان:


أ- ما رواه الإمام أحمد في مسنده:

روى الإمام أحمد رؤيا الأذان في مسنده عن عبد الله بن زيد بأسانيد ثلاثة(35).

1- قد ورد في السند الأول زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفى 203هـ).

وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة إسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة(36).

كما اشتمل على عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلا رواية واحدة وهذه هي، وفيها فضيلة لعائلته، ولأجل ذلك يقل الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن إسحاق بن يسار الذي تعرّفت عليه.

واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد الله بن زيد وهو قليل الحديث جداً.


وقد جاء في الراوية الثانية بعد ذكر الرؤيا وتعليم الأذان لبلال:

إن بلالاً أتى رسول الله فوجده نائماً فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.

ب- ما رواه الدارمي في مسنده:

روى رؤيا الأذان الدارمي في مسنده بأسانيد، كلها ضعاف وإليك الأسانيد وحدها:


1- أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق وقد كان رسول الله حين قدمها.. الخ.


2- نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه بهذا الحديث.


3- أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق.. والباقي نفس ما جاء في السند الثاني(37).

والأول منقطع، والثاني والثالث مشتملان على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، كما تعرفت على حال ابن إسحاق.


ج- ما رواه الإمام مالك في الموطأ:

روى الإمام مالك رؤيا الأذان في موطئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى ابن سعيد أنه قال: كان رسول الله قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما..(38)

والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود عام 70 وتوفي بالهاشمية سنة 143(39).


د- ما رواه ابن سعد في طبقاته:

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد(40) موقوفة لا يحتج بها:


الأول: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفي في عشر التسعين وقيل سنة 99.


والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي ولد عام 29 وتوفي عام 93.


والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفي عام 136.


والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفي عام 94 وإلى عبد الرحمن ابن أبي ليلى الذي توفي عام 82، أو 83.

وقال الذهبي في ترجمة عبد الله بن زيد: حدث عنه سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى - ولم يلقه -(41).

وروى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني عبد الرحمي بن عمر، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس.. حتى أُري رجل من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد وأريه عمر بن الخطاب تلك الليلة.. - إلى أن قال: - فزاد بلال في الصبح (الصلاة خير من النوم) فأقرّها رسول الله.

فقد اشتمل السند على:

1- مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين، وقال علي بن المديني: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر(42).

2- محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني (51 - 123).

قال أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرأه ولا قرئ عليه فيقال له: نروي هذا عنك فيقول: نعم.

وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري: أتيت الزهري فتثاقل عليّ فقلت له: لو أنك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا، فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليّ كتاباً فقال: خذ هذا فاروه عني فما رويت عنه حرفاً(43).


هـ - ما رواه البيهقي في سننه:

روى البيهقي رؤيا الأذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت وإليك الإشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:


الأول: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، أنه قال فيه ابن عبد البر: وأنه مجهول لا يحتج به يروي عن مجاهيل(44) باسم العمومة، ولا دليل على كون هؤلاء من الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أن العمومة كانوا منهم لكن موقوفات الصحابي ليست بحجة إذ لا علم بأنه روى عن الصحابي.


الثاني: يشتمل على أناس لا يحتج بهم:

1- محمد بن إسحاق بن يسار.

2- محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3- عبد الله بن زيد.

وقد تعرفت على الجميع.


الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفى عام 94 عن عبد الله بن زيد(45) وقد توفي عبد الله بن زيد سنة 32هـ وقد ولد سعيد بن المسيب - حسب ما ينقله الذهبي - لسنتين مضتا من خلافة عمر(46). وعلى ذلك فقد ولد عام 15هـ فيكون عمره عند وفات زيد قريباً من 17 سنة.


و- ما رواه الدارقطني:

روى الدراقطني رؤيا الأذان بأسانيد، إليك بيانها:


1- حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدثنا أبو داود، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد، ثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد الله، عن عمه عبد الله بن زيد.


2- حدثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو داود، ثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، ثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد الله بن محمد، قال: كان جدي عبد الله بن زيد بهذا الخبر(47).

وقد اشتمل السندان على محمد بن عمرو، وهو مردّد بين الأنصاري، الذي ليس له في الصحاح والمسانيد إلا هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف، وبين محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، وابن معين وابن عدي(48).


3- حدثنا أبو محمد بن ساعد، ثنا الحسن بن يونس، ثنا الأسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار، يعني عبد الله بن زيد، إلى النبي فقال: إني رأيت في النوم..(49)

وهذا السند منقطع لأن معاذ بن جبل توفي عام 20 أو 18 وولد عبد الرحمن بن أبي ليلى سنة 17، مضافاً إلى أن الدارقطني ضعّف عبد الرحمن وقال: ضعيف الحديث سيئ الحفظ وابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد الله بن زيد(50).

إلى هنا تم الكلام في المقام الأول واتضح أن الأذان إنما شرع بوحي إلهي لا برؤيا عبد الله بن زيد ولا برؤيا عمر بن الخطاب ولا غيرهما كائناً من كان، وإن هذه الأحاديث متعارضة جوهراً غير تامة سنداً، لا يثبت بها شيء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي فلاحظ.


وحان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، وهذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 02:30 AM ] .