عرض مشاركة مفردة
قديم 17-05-2018, 04:39 AM
الصورة الرمزية لـ لواء الحسين
لواء الحسين لواء الحسين غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 15952

تاريخ التّسجيل: Feb 2005

المشاركات: 4,406

آخر تواجد: 15-07-2018 03:45 AM

الجنس: ذكر

الإقامة: الهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا , و كفى بي فخرا أن تكون لي ربا .

آية التطهير
قال تعالى :" إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " سورة الأحزاب : آية 33 .
وفي هذه الآية المباركة أبحاث ومقدمة :
المبحث الأول : في إعراب الآية المباركة .
المبحث الثاني : في بيان من هم أهل البيت .
المبحث الثالث : دلالة الآية الكريمة على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .
المبحث الرابع : في بيان دلالة الآية المباركة على إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
المبحث الخامس : الإشكالات الواردة على الآية المباركة .
المقدمة : إن آية التطهير هي آية اُخرى من الآيات التي تتعلّق بولاية أمير المؤمنين والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ، هذه الآية الشريفة والتي ينبغي التدبّر في كلّ كلمة من كلماتها تدلُّ أيضاً على عصمة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) ، إنّ الآيات 28 ـ 34 من سورة الأحزاب كلّها وردت في خطاب نساء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بين هذه الآيات الشريفة السبعة وردت آية التطهير بلسان متفاوت ومضمون مختلف، ومن ذلك تغيير الضمائر في هذه الآية، فإننا نرى في الآيات الشريفة قبلها ورد خمس وعشرين ضمير أو فعل يدلُّ على المؤنث، وبعد آية التطهير أيضاً نجد ضميرين وفعل كذلك يدلُّ على التأنيث ولكنّ جميع الضمائر والأفعال في آية التطهير التي تقع وسط 27 ضميراً وفعلاً مؤنثاً قد وردت بلسان المذكر، أو أن الضمير فيها يعود على المذكر والمؤنث كليهما، والخلاصة أن الضمائر فيها لا تختصّ بالمؤنث.
المبحث الأول : إعراب الآية المباركة :
إنما : أداة حصر ( كافة ومكفوفة ) .
يريدُ : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
اللهُ : لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
ليذهبَ : اللام : لام التعليل ( زائدة للتوكيد ) ، يذهب : فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد اللام وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره ، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على لفظ الجلالة ( الله ) ، والمصدر المؤول من ( أن والفعل ) في محل جر بحرف الجر ( اللام ) ، والجار والمجرور متعلق بـ ( يريد ) .
عنكم : عن : حرف جر ، مبني على السكون ، لا محل له من الإعراب ، والكاف : ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بحرف الجر ، والميم : حرف دال على جمع الذكور ، والجار والمجرور متعلق بـ ( يذهب ) .
الرجسَ : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .
أهلَ : منادى بحرف نداء محذوف منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره ، وهو مضاف ، أو منصوب على الاختصاص بتقدير أخص .
البيتِ : مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة في آخره .
ويطهركم : الواو : حرف عطف ، مبني على الفتح ، لا محل له من الإعراب ، يطهرُ : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره ، والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقدير هو يعود على لفظ الجلالة ( الله ) ، والكاف : ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به ، والميم : حرف دال على جمع الذكور .
تطهيراً : مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .
المبحث الثاني : من هم أهل البيت ؟
اختلف المفسرون في بيان ما هو المراد من " أهل البيت " في الآية المباركة على أقوال ، غير انّ العبرة بقولين ، والاَقوال الأُخر شاذة لا يعبأ به .
1. المراد بنت النبي وصهره وولداهما الحسن والحسين (عليهم السّلام) .
2. نساء النبي (صلَّى اللّه عليه وآله و سلَّم) .
أهل البيت يشمل كلا القولين فلا بدَّ من جمع القرائن لمعرفة المراد من أهل البيت في هذه الآية المباركة ، ومن تلك القرائن :
1- اللام العهدية في " أهل البيت " : لا شك أنّ اللام قد تطلق ويراد منها الجنس المدخول كقوله سبحانه: (إنّ الاِنسان لفي خُسر).
وقد يطلق ويراد منها استغراق أفراده كقوله سبحانه : (يَا أَيُّها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ).
وثالثة تستعمل في العهد باعتبار معهودية مدخولها بين المتكلّم والمخاطب.
ولا يمكن حمل اللام في «البيت» على الجنس أو الاستغراق، لاَنّ الاَوّل انّما يناسب إذا أراد المتكلم بيان الحكم المتعلّق بالطبيعة كما يعلم من تمثيلهم لذلك بقوله تعالى: (إِنَّ الاِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً) ، ومن المعلوم أنّ الآية الكريمة ليست بصدد بيان حكم طبيعة أهل البيت ، كما لا يصح أن يحمل على العموم، أي: جميع البيوت في العالم، أو بيوت النبي ، وإلاّ لناسب الاِتيان بصيغة الجمع فيقول: أهل البيوت، كما أتى به عندما كان في صدد إفادة ذلك، وقال في صدر الآية : (وقرن في بيوتكن) . فتعين أن يكون المراد هو الثالث، أي البيت المعهود، فالآية تشير إلى إذهاب الرجس عن أهل بيت خاص، معهود بين المتكلم والمخاطب، وحينئذ يقع الكلام في تعيين هذا البيت المعهود، فما هو هذا البيت؟ هل هو بيت أزواجه، أو بيت فاطمة وزوجها والحسن والحسين (عليهم السّلام) ؟ لا سبيل إلى الاَوّل، لأنّه لم يكن لأزواجه بيت واحد حتى تشير اللام إليه، بل تسكن كل واحدة في بيت خاص، ولو أُريد واحداً من بيوتهن لاختصت الآية بواحدة منهم، وهذا ما اتفقت الأمّة على خلافه.
أضف إلى ذلك أنّه على هذا يخرج بيت فاطمة مع أنّ الروايات ناطقة بشمولها، وانّما الكلام في شمولها لأزواج النبي .
2- تذكير الضمائر : نرى أنّه سبحانه عندما يخاطب أزواج النبي يخاطبهن حسب المعتاد بضمائر التأنيث، ولكنّه عندما يصل إلى قوله: (إنّما يريد اللّه ليذهب ...) يغير الصيغة الخطابية في التأنيث ويأتي بصيغة التذكير، فما هو السر في تبديل الضمائر لو كان المراد أزواج النبي؟ وإليك نص الآيات:
(يا نِسَاءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً).
(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).
(وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنَ آياتِ اللّهِ وَالحِكْمَةِ إنّ اللّهَ كانَ لَطِيفَاً خَبِيراً).
ترى أنّه سبحانه يخاطبهن في الآية الأولى بهذه الخطابات:
1. لستن. 2. اتقيتن. 3. فلا تخضعن. 4. وقلن.
ويخاطبهن في الآية الثانية بهذه الخطابات:
1. قرن. 2. بيوتكن. 3. لا تبرجن. 4. أقمن. 5. آتين. 6. أطعن.
كما يخاطبهن في الآية الثالثة بقوله:
1. واذكرن . 2. بيوتكن.
وفي الوقت نفسه يتخذ في ثنايا الآية الثانية موقفاً خاصاً في الخطاب ويقول:
1. عنكم. 2. يطهركم.
فما وجه هذا العدول إذا كان المراد نساء النبي ؟!
أو ليس هذا يدل على أنّ المراد ليس نساءه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- .
3- طريقة الخطاب : انّ الآيات المربوطة بأزواج النبي تبتدىَ من الآية 28 وتنتهي بالآية 34 ، وهي تخاطبهن تارة بلفظ «الاَزواج» ومرتين بلفظ «نساء النبي» الصريحين في زوجاته، فما هو الوجه في العدول عنهما إلى لفظ «أهل البيت» فإنّ العدول قرينة على أنّ المخاطب به غير المخاطب بهما .



4- الإرادة التكوينية لا التشريعية :
قال الله تعالى : (يُريدُ اللهُ) ، فما هو المراد من إرادة الله ؟ هل هي الإرادة التشريعية أو الإرادة التكوينية ؟
الجواب : للإجابة على هذا السؤال يلزمنا بعض التوضيح حول مفهوم الإرادة التكوينية والتشريعية : الإرادة التشريعية : هي الإرادة التي تعني أوامر الله تعالى ودستوراته من الواجبات والمحرمات الواردة في الشريعة المقدّسة، والآية 185 من سورة البقرة هي أحد الآيات التي وردت فيها الإرادة الإلهية بمعناها التشريعي حيث ذكر الله تعالى في هذه الآية الشريفة بعد بيان وجوب صوم شهر رمضان المبارك واستثناء هذا الحكم بالنسبة إلى المسافر والمريض يقول : (يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ، فالمقصود من الإرادة الإلهية هنا هي الإرادة التشريعية، أي أن أحكام الله تعالى في شهر رمضان سهلة ويسيرة للإنسان المؤمن بل إن جميع أحكام الإسلام هي كذلك، ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) : «بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِالْحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» .
«الإرادة التكوينية» هي الإرادة التي تستخدم في مقام الخلق والتكوين فقد أراد الله تعالى خلق العالم وخلق سائر الكائنات والمخلوقات ، وكمثال على هذه الإرادة الإلهية ما ورد في الآية 82 من سورة يس حيث يقول تبارك وتعالى في هذه الآية : (إنَّما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
وهناك قرائن تدل على أن الإرادة تكوينية لا تشريعية :
1. انّ الظاهر من الآية هو تعلّق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت، والخصوصية إنّما تتحقّق لو كانت الاِرادة تكوينية، إذ لو كانت تشريعية لما اختصت بطائفة دون طائفة، لاَنّ الهدف الاَسمى من بعث الاَنبياء هو إبلاغ تشريعاته ودساتيره إلى الناس عامة لا لأناس معيّنين، ولأجل ذلك ترى أنّه سبحانه عندما شرّع للمسلمين الوضوء والغسل بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ...) علّله بقوله: (وَلَكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) خاطب سبحانه المؤمنين عامة بالوضوء والغسل وعلّل تشريعه العام بتطهيرهم وإتمام نعمته عليهم وهذا بخلاف الآية التي نحن بصددها ، فإنّها خصّصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة «أهل البيت» وخصّهم بالخطاب وقال: «عنكم أهل البيت» أي لا غيركم.
وبالجملة فتخصيص تعلّق الاِرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية، يمنع من تفسير الاِرادة بالإرادة التشريعية التي عمّت الأمّة جميعاً.
نعم لا يتوهم من ذلك انّ أهل البيت خارجون عن إطار التشريع، بل التشريع في كل المجالات يعمّهم كما يعم غيرهم، ولكن هنا إرادة تكوينية مختصة بهم.
2. انّ العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أنّ المقصود بالإرادة ، الاِرادة التكوينية لا التشريعية ، لوضوح أنّ تعلّق الإرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية ، وإليك بيان تلك العناية : أ. ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر، ولا معنى له إذا كانت الاِرادة تشريعية، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين. ب. عيّن تعالى متعلّق إرادته بصورة الاختصاص، فقال: (أهل البيت) أي أخصّكم أهل البيت.
ج. قد بيّن متعلّق إرادته بالتأكيد، وقال بعد قوله: (ليذهب عنكم الرجس ... ويطهركم) .
د. قد أكّده أيضاً بالإتيان بمصدره بعد الفعل، وقال: (ويطهّركم تطهيراً) ليكون أوفى في التأكيد.
هـ . انّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدل على الإكبار والاِعجاب، أي تطهيراً عظيماً معجباً.
و . انّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الاِرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
قد تعرفت على مفاد الآية : واتضح لديك انّ القرائن الداخلية في نفس الآية تدل بوضوح على أنّ الإرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلّقت بطهارة أهل البيت وإذهاب الرجس عنهم .
المبحث الثالث : دلالة الآية المباركة على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) :
إذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الاَفعال القبيحة عرفاً أو شرعاً والمعاصي صغيرها وكبيرها، فيجب أن يقال: إنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس، وذلك لاَنّ المنفي هو جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه، ونفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها، ولأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله: (ليذهب عنكم الرجس) بل أكّده بقوله: (ويطهّركم تطهيراً) ، فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجس ـ أعني: الشرك، أو الاَوسع منه كالمعاصي الكبيرة ـ لما كان لهذه العناية وجه .
والحاصل: انّ المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة، أو لا رجل في الدار، هو المفهوم من قوله: ليذهب عنكم الرجس، والتفكيك بين المقامين غير مقبول.
-إنّ لفظة (إنّما) محقّقة لما أُثبت بعدها، نافية لما لم يثبت، فإنّ قول القائل: إنّما لك عندي درهم، وإنّما في الدار زيد، يقتضي انّه ليس عنده سوى الدرهم وليس في الدار سوى زيد، وعلى هذا فلا تخلو الاِرادة في الآية أن تكون هي الاِرادة المحضة التشريعية ، أو الاِرادة التي يتبعها التطهير وإذهاب الرجس؛ ولا يجوز الوجه الاَوّل، لاَنّ اللّه تعالى قد أراد من كل مكلّف هذه الاِرادة المطلقة، فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق، ولاَنّ هذا القول يقتضي المدح والتعظيم لهم بغير شك وشبهة ولا مدح في الاِرادة المجرّدة، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح .
وبعبارة أخرى : ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) و ( الرجس ) إذا رجعنا إلى اللغة ، فيعمّ الرجس ما يستقذر منه ويستقبح منه ، ويكون المراد في هذه الآية الذنوب ، ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ) ، أي إنّما يريد الله بالإرادة التكوينيّة أن يذهب عنكم الذنوب أهل البيت ، ويطهّركم من الذنوب تطهيراً ، فهذا يكون محصّل معنى الآية المباركة .
إنّ إرادة الله التكوينيّة لا تتخلّف ، وبعبارة أُخرى : المراد لا يتخلّف عن الارادة الالهيّة ، ( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ) .
فإذا كانت الارادة تكوينيّة ، والمراد إذهاب الرجس عن أهل البيت ، فهذا معناه طهارة أهل البيت عن مطلق الذنوب ، وهذا واقع العصمة ، فتكون الآية دالّة على العصمة .
المبحث الرابع : دلالة الآية الكريمة على إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
- لو ثبت مقام العصمة لأهل البيت (عليهم السلام) فإنّ الإمامة سوف تثبت لهم أيضاً، لأنه كما تقدّم أن الطاعة للإمام هي مطلقة وغير مقيّدة بقيد أو شرط ، ولا يمكن تحقق هذا المعنى من الطاعة إلاّ لمن كان يتحلّى بمقام العصمة، أي أن الإمام يجب أن يكون معصوماً ، ومن جهة اُخرى فلو تقرر أن يكون الإمام منتخباً من الناس أو منصوباً من قبل غيره فإنّه مع وجود المعصوم لا ينبغي التمسّك بإطاعة غير المعصوم .
يقول تبارك وتعالى في الآية 124 من سورة البقرة في حديثه عن النبي إبراهيم (عليه السلام) عندما نصبه الله تعالى إماماً للناس بعد أن نجح في الابتلاءات والامتحانات الصعبة وبعد أن كان يتحلّى بمقام النبوّة وكان من اُولي العزم وخليلاً للرحمن، فإنّ إبراهيم بعد أن نال مقام الإمامة طلب من الله تعالى استمرار الإمامة في ذرّيته (ومن ذرّيتي ) فأجابه الله تعالى : (لا يَنالُ عَهْدي الظَّالِمين ) ، ومن هنا نعلم أن العصمة جزءٌ لا يتجزأ من الإمامة، والأشخاص الذين تلوثوا بالظلم لا يصلحون لهذا المقام الشريف حتّى لو كانوا قد انحرفوا وتلوثوا بالمعصية في أزمنة سابقة .
- ذكر الفخر الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم ) عصمة (ولاة الأمر) ؛ لأنّ الطاعة المطلقة لفرد هي فرع عصمته عن الخطأ ، وإلاّ كان الأمر بالطاعة المطلقة مع فرض حصول الخطأ أمر باتّباع الباطل ، وهو محال على المولى سبحانه ، فإذاً لا بدّ من العصمة والاصطفاء ثمّ الأمر بالطاعة.
قال الفخر الرازي: (والدليل على ذلك أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأً منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً ) .
ومن خلال دلالة آية التطهير على عصمة أهل البيت تكون نتيجة آية أولي الأمر هو وجوب طاعة أهل البيت ( عليهم السلام ) طاعة مطلقة وهي لا تعني إلا الإمامة والخلافة .




المبحث الخامس : الاشكالات الواردة على الاستدلال بالآية الكريمة :
الإشكال الأول : المراد من أهل البيت هم الساكنون في بيت النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) , لان البيت يعني الدار المسكونة , وسكان بيت النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) هم نساؤه , وليس الآخرين , واذا ما جاء الضمير على صورة ضمير المذكر فالسبب يعود الى ان لفظ الأهل مذكر , واذا جاء البيت بصيغة المفرد لا الجمع بينما نساء النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) كنَّ يسكنَّ في بيوت عديدة , فذلك بسبب ان النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) كان واحداً , فذكر بيته بصفة الواحد ايضاً , والخلاصة ان الآية ناظرة الى نساء النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) فقط.
الجواب : لو كان المقصود من الاهل نساء النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) يكون ظاهر اللفظ (مفرد مذكر) ومعناه (جمع مؤنث) , بينما لم يذكر في الآية لا (المفرد المذكر) ولا (الجمع المؤنث) بل جاء بصيغة (الجمع المذكر ).
كما ان التعبير بالبيت جاء بصيغة المفرد خلافا لمطلع الآية الذي جاء بصيغة الجمع , فمن المتعذر ان تكون عبارة : (وقرن في بيوتكن) من أجل شخص النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) , لان النبي ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن يمتلك بيتا مستقلاً , فقد كان بيته هي البيوت التي كانت تعيش فيها زوجاته .
الإشكال الثاني : إنّ اختلاف الضمائر في آية التطهير مع الضمائر قبلها وبعدها والتي تتحدّث فيها الآية الشريفة عن نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو السبب في أن يكون المخاطب في آية التطهير غير نساء النبي ، في حين أننا نجد مثيلاً لهذا الاختلاف في الضمائر في قصة البشارة لإبراهيم (عليه السلام) بالولد في شيخوخته، لأنّ المخاطب في الآية الشريفة هو زوجة النبيّ إبراهيم (عليه السلام) في قوله تعالى : (قالُوا أَتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) ، فطبقاً لهذه الآية أنّ المخاطب بضمير «عليكم» هو زوجة النبيّ إبراهيم.
الجواب : إنّ المخاطب في جملة «أتعجبين» هو زوجة إبراهيم فقط ، ولهذا ورد الفعل بصورة المفرد للمخاطب المؤنث ، ولكنّ المخاطب بكلمة «عليكم» هو جميع أفراد اُسرة النبيّ إبراهيم من الزوج والزوجة ، في حين أن المخاطب في آية التطهير وطبقاً للأدلّة السابقة لا يمكن أن يكون نساء النبي لا بالاستقلال ولا بالانضمام إلى الخمسة أصحاب الكساء .




الرد مع إقتباس