الموضوع: فقه المغترب
عرض مشاركة مفردة
قديم 23-03-2017, 06:04 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط جداً
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 1,805

آخر تواجد: 27-11-2017 10:30 PM

الجنس:

الإقامة:

الفصل الرابع: المغترب وهم النجاسة والطهارة
بين الاحتياط والوسوسة
إنّ الشريعة الإسلامية المقدمة هي الشريعة السهلة السمحاء, فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"1, وقد اشتهر القول أن دين الإسلام دين يسر وليس دين عسر, ومن هذا المنطلق ينبغي لنا أن نعلم أن الوسوسة في الأمور الشرعية من الأمور التي لا تتناسب مع الدين الإسلامي الحنيف فإن الإسلام لم يطلب من الإنسان, ولو شك في نجاسة شيء فالأصل فيه الطهارة, إلا أن البعض يبالغ إلى حد كبير في الوسوسة, بحيث تنقلب القاعدة عنده من أصل الطهارة في الأمور المشكوك بها إلى أصل النجاسة, وهذا ما لم يذهب إليه أحد من العلماء, السابقين أو اللاحقين.
47
ومن هنا فإن على المغترب عدم التدقيق في الكثير من الأمور التي لو أراد التدقيق فيها لاستهلكت الكثير من وقته ولأصبحت حياته مليئة بالوسوسة كما لو شك في نجاسة كل الطرقات مثلا أو كل علب المواد الغذائية في التعاونيات, وهكذا إلى الكثير من الأمور التي يتعرض لها في حياته اليومية.
فهل من الضروري للمغترب عند شراء المواد الغذائية التحقيق في أن يد بائعها, أو صانعها قد لامستها مع رطوبة, أو أنه استخدم الكحول في صناعتها ؟
والجواب على ذلك: أن السؤال والتحقيق غير واجب2.
ومجرد احتمال ملامسة يد الكافر الرطبة لأي من الأمور لا يكفي لوجوب الاجتناب, بل ما لم يحصل اليقين بالملامسة فهو محكوم بالطهارة.
ومن هنا سنسهل على المكلف المغترب المسألة بتبيان بعض الأمور التي يتعرض لها في حياته الاعتيادية.
طهارة أهل الكتاب
والمقصود من أهل الكتاب كل من يكون لهم كتاب من الكتب السماوية النازلة على الأنبياء عليهم السلام,
48
كاليهود, والنصارى, وهكذا الصابئون فإنهم من أهل الكتاب, على ما حققه سماحة الإمام الخامنئي دام ظله فحكم هؤلاء هو طهارتهم الذاتية فهم ليسوا نجسين على ما افتى به سماحة الإمام الخامنئي دام ظله وجملة من المراجع الكرام وعليه فملامسة أيديهم الرطبة لشيء لا ينجّسه3.
إذا, فلا داعي للمغترب بأن يشغل باله بالشكوك من الصباح إلى المساء, هل أن فلانا قد لامس هذه القطعة ؟ وغيرها من الوساوس, فما لم يرى المؤمن النجاسة على المشكوك أو يخبره صاحب المشكوك كصاحب البيت _ مثلا _ بوجود نجاسة فعلا فليس عليه أن يحكم بالنجاسة أبدا.
نجاسة غير أهل الكتاب
هناك أصناف من الكفّار من غير أهل الكتاب, وهؤلاء فقط حكمهم النجاسة العينية, كأولئك الذين يعبدون الأصنام من دون الله.
49
اللحوم
قد يواجه المغترب في البلاد الغير المسلمة مشكلة مصادر اللحوم التي تتواجد في الأسواق, وبما أن حلية اللحم وطهارته متوقفة على التذكية الشرعية, فاللحم يعتبر في البلاد غير الإسلامية بحكم الميتة وغير المذكى إلا إذا تأكد المسلم من مصدره ووثق بذكائه, وعليه فإن كتابة شعار حلال على اللحم لا تفيد الحلية ما لم يثق المكّلف بمصدر اللحوم4.
الجلد
بما أن أكثر الجلود التي تباع في الأسواق غير الإسلامية, والتي تدبغ في تلك الدول تكون من الحيوان غير المذكى فإن للمكلف معها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون المكلّف في شك من أنها طبيعية أم غير طبيعية (اصطناعية) فهنا يجوز له الحكم بطهارتها كما يجوز له الصلاة فيها بلا أي إشكال.
الحالة الثانية: أن يعلم أنها من الجلد الطبيعي ولكن
50
يشك في كونها مذكاة أم لا, فهنا يجوز له الحكم بطهارتها إلا أنه لا يجوز له الصلاة فيها.
لو صلّى في الجلد المشكوك بتذكيته, جاهلا بأن حكم الجلد الطبيعي في الأسواق غير الإسلامية عدم صحة الصلاة فيه ثم علم بالحكم فلا تجب عليه إعادة الصلوات السابقة5.
ملاحظة: تستعمل بعض الشركات شعر الخنزير في بعض منتجاتها كفراشي الطلاء والتخطيط والرسم, وينبغي التنبه إلى ما يلي:
1- شعر الخنزير نجس.
2- لا يجوز الاستفادة منه في الأمور التي تعتبر فيها الطهارة شرعا كتابة آيات الله الكريمة بها, وأما استخدامها في الأمور غير المشروطة بالطهارة فلا إشكال فيه6.
3- الريشة أو الفرشاة ونحوها إذا لم يكن معلوما أنها صنعت من شعر الخنزير أم لا, فاستخدامها حتى في الأمور المشروطة بالطهارة لا إشكال فيه.
51
الكحول
إن الخمر والمواد المسكرة فضلا عن كونها من الأمور التي تضر الجسد والعقل وبإجماع علماء الطبيعة, هي من المحرمات الكبيرة التي حرمها الإسلام, قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...﴾7.
وجاء في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام:... وأما الخمر فإنّه حرمها لفعلها وفسادها, وقال: مدمن الخمر كعابد وثن يورثه الارتعاش, ويذهب بنوره, ويهدم مروءته, ويحمله على أن يجسر على المحارم من سفك الدماء, وركوب الزنا ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه وهو لايعقل ذلك, والخمر لا يزداد شاربها إلا كل شر8.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لهن فيها عشرة: غارسها, وحارسها, وعاصرها, وشاربها, وساقيها, وحاملها, والمحمول إليه, وبائعها, ومشتريها, وآكل ثمنها9.
52
يحرم تناول كل ما يسكر سواء كان سائلا كالخمر أو جامدا كالأقراص...10
الكحول المائع ( السائل ) بالأصل والذي يورث الإسكار من النجاسات, وأما الكحول غير المائع بالأصل كالحشيشة, فهو ,إن كان محرّما إلا أنه محكوم بالطهارة, حتى لو تمت إذابته وتحويله لمائع 11.
قد تستعمل بعض الشركات الكحول ضمن سلعها الاستهلاكية كبعض أنواع الأشربة, فالكحول الموجود في المادة المنتجة إذا كان مسكرا في نفسه فهو نجس وحرام, حتى لو لم يكن مسكرا للمستهلك بسبب قلة المقدار والامتزاج بالمادة المنتجة, ولكن إذا كان هناك شك وترديد في كونه مسكرا في نفسه, أو في كونه مائعا بالأصالة فيحكم بالطهارة12.
يجوز شرب المشكوك ما لم يحصل عند المكلّف يقين بأنها ملوّثة بالكحول المسكر المائع بالأصالة13.
53
للمطالعة
الإمام الخميني قدس سره في نوفل لوشاتو 4
من مآثر الإمام الخميني قدس سره التي ينظر لها بعين الإكبار والإعظام ما ينقل عنه أيام إقامته في نوفل لوشاتو, في العاصمة باريس إذ ينقل أحد مرافقيه أنه في يوم من أيام الشتاء البارد والممطر قدم وقد إلى سماحة الإمام قدس سره من ألمانيا وإنكلترا, ولكن الوفد كان كبيرا بحيث لا تسعه الغرفة التي يستقبل فيها الإمام الضيوف, فاضطر الوفد إلى الوقوف تحت المطر لاستماع إرشادات الإمام ونصائحه, وكان بإمكان الإمام الخميني بما أنه مرجع كبير في السن أن يحدثهم من النافذة المطلة إلى الخارج ويتقي المطر كي لا يصاب بأمراض إلا أن خلقه الكريم ونفسه العالية أبت إلا أن يقف معهم تحت المطر الذي يهطل بغزارة وظل يحدثهم لمقدار ربع ساعة تحت المطر ولم يتق منه بشيء.
ومن الأمور التي يذكرها بعض المقربين من الإمام أن الإمام في سنة 1979 ميلادية, رغم البرد القارس في
54
باريس أمر بعدم الاستفادة من وسائل التدفئة في المنزل رغم توفرها مواساة للشعب المسلم في إيران حيث كان يعاني يومئذ من أزمة في الوقود ولم يكن باستطاعة الكثير من الناس استعمال المدافئ, وهكذا كان يتمثل بأعمال جده علي ابن أبي طالب عليه السلام حينما كان يقول: "أأقنع من نفسي أن يقال هذا أمير المؤمنين, ولا أشاركهم في مكاره الدهر, أو أكون لهم أسوة في جشوبه العيش"14.
ومن القصص التي يرويها عنه أحد المقربين أنه كان يرى الإمام في أغلب أيام إقامته في باريس, وهو جالس يتحدث مع خمسة أو ستة من الفتيان والفتيات عن الإسلام والقضايا والأوضاع السياسية الراهنة آنذاك ويوعيهم بشأنهم, يتابع ناقل القصة قائل:
وكنت أستغرب من أن يخصص مرجع كبير هذا الوقت لتوضيح حقائق الإسلام, والحوادث السياسية لعدد قليل من الفتيان والفتيات.
55
هوامش
1- بحار الأنوار, ج64 ص136.
2- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص93.
3- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص103.
4- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص83.
5- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص131.
6- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص83.
7- سورة البقرة الآية: 219.
8- وسائل الشيعة (آل البيت ) الحر العاملي, ج42 ص 99.
9- تحرير الوسيلة للإمام الخميني ج2 ص146.
10- تحرير الوسيلة ج2 ص166 مسألة 16.
11- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص91.
12- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص 92.
13- أجوبة الاستفتاءات السيد علي الخامنئي ج1 ص93.
14- ينابيع المودة لذوي القربى – القندوزي – ج1 ص44.
يتبع

الرد مع إقتباس