السلام عليكم,,
س: لماذا يبكي الشيعـة على مصـاب الحسـين ويجـددوا ذكـراه ويذكـرون الواقـعـة كـل عـام ؟؟
ج: شاء الله عز وجل أن يبقى مصاب الحسين عليه السلام في قلوب الشيعة .. يذكرونه ويبكون ألماً لما جرى عليه وأهله وأصحابه منذ وقوع واقعة كربلاء عام 61 هـ ، وستبقى حرارتها لا تزول أبداً .
وفيما يلي بعض النقاط المهمة رداً على الشبهة أعلاه :
1- عندما يتذكر المسلم ما جرى في ذلك اليوم من مصائب على ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من عطش الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه ، ورؤية الحسين لأهله وأحبائه صرعى أمامه وبقائه وحيداً ، وذبْح الحسين كما يُذبح الكبش وهو سبط النبي وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ..
ورفع رأس الحسين ورؤوس القتلى على الرماح .. وحرق الخيام وإيذاء النساء والأطفال وسبيهم وكأنهم ليسوا ذرية رسول الله ..
عندما يتذكر المؤمنون كل ذلك ، فإنه من الطبيعي أن ينبعث من قلوبهم ما لا يتمالكون أنفسهم .. فتحترق قلوبهم ألماً وتسيل دموعهم حزناً على هذا المصاب الجليل الذي لم يشهد التاريخ مثله ..
2- إن الشيعة عندما يظهرون العزاء ويجددون هذه الفجيعة ، فإنهم أيضاً يتعلمون منها دروساً جمة ..
فمن كربلاء تعلمنا إباء الضيم والظلم ، والشهامة والشجاعة ، وحرية الرأي والفكر ، والتنفر من الأخلاق الدنيئة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوقوف مع الحق والتضحية بكل شيء من أجله ، والإيثار ... وغيرها من الدروس والعبر .
3- البكاء على الإمام الحسين وتجديد مصابه يعتبر نوع من التأييد لنهضته والإقرار بهدفه . يقول الإمام الخميني رحمه الله "إن البكاء على الشهيد يُعدُ إبقاءً على اتقاد جذوة الثورة وتأججها، وما ورد في الروايات من أن من بكى أو تباكى أو تظاهر بالحزن فأن أجره الجنة، إنما يفسر بكون هذا الشخص يساهم في صيانة نهضة الإمام الحسين عليه السلام" .
4- قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " .
إن من أبرز مصاديق مودة قربى النبي هو البكاء والحزن على ما أصابهم من ظلم وغدر وأذى .
5- حث رسول الله والأئمة المعصومين على البكاء على الحسين وإحياء أمره ومصيبته ، والروايات في ذلك كثيرة جداً ، منها :
ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين ، فإنها ضاحكة مستبشرة " ( الاثنى عشرية في الرد على الصوفية ، للشيخ الحر العاملي ) .
وروي عن الإمام الرضا عليه السلام " يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش " ( أمالي الصدوق ) .
وروي عنه أيضاً " إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام " ( أمالي الصدوق ) .
وكان الأئمة من بعد الحسين ، ينتهزون الفرص ويستغلون المواقف لإحياء ذكراه ، نذكر من ذلك موقفين :
أ-سمع الإمام السجاد عليه السلام ذات يوم رجلاً ينادي " أيها الناس ارحموني أنا رجل غريب " في السوق .
فتوجه إليه الإمام السجاد وقال له : " لو قدر لك أن تموت في هذه البلدة ، فهل تبقى بلا دفن ؟! "
فقال ذلك الرجل الغريب : " الله أكبر ، كيف أبقى بلا دفن ، وأنا رجل مسلم وبين ظهراني أمة مسلمة " .
فبكى الإمام السجاد وقال : " وا أسفاه عليك يا أبتاه ! تبقى ثلاثة أيام بلا دفن وأنت ابن بنت رسول الله "( مأساة الحسين ، للشيخ عبد الوهاب الكاشي ) .
ب-لما أمر المنصور الدوانيقي عامله على المدينـة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق عليه السلام داره ، فجاءوا بالحطب الجزل ووضعوه على باب أبي عبد الله الصادق ، وأضرموا فيه النـار . فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحن العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهن . فخرج الإمام الصادق وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النـار ويطفئ الحريـق حتى قضى عليها فلما كان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلونه فوجدوه حزيناً باكياً .
فقالوا : " مما هذا التأثر والبكاء أمن جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأول مرة ؟ " .
فقال الإمام الصادق عليه السلام : "لا … ولكن لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في صحن الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى هذا وأنا معهن في الدار ، فتذكرت روعة عيال جدي الحسين عليه السلام يوم عاشـوراء لما هجم القوم عليهن ومناديهم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين " . ( مأساة الحسين للشيخ عبد الوهاب الكاشاني ) .
6- روت كتب السنة والشيعة ، أن رسول الله بكى على الحسين وهو طفل صغير ، وقد تكرر هذا البكاء والتنبؤ بالمصيبة في مواقف متعددة ..
فإذا كان صاحب الرسالة قد بكى على الحسين مراراً وتكراراً ..
فكيف لا نواسيه نحن – التابعين لرسالته – في مصيبته ونشاركه في أحزانه ؟
ولماذا لا نتأسى برسول الله في البكاء على الحسين ؟!!
قال الشيخ الأميني ( رحمه الله ) :
" ورزية أبكت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته ، وأبكت أمهات المؤمنين والصحابـة الأولين ونغصت عيش رسول الله فتراه صلى الله عليه وآله وسلم تارة يأخـذ حسيناً ويضمّه إلى صدره ويخرجه إلى صحابته كاسف البال وينعاهم بقتله ، وأخرى يأخذ تربته بيده ويشمّها ويقبلها ويأتي بها إلى المسجـد مجتمع أصحابـه وعينـاه تفيضان ، ويقيم مأتماً وراء مأتم في بيوت أمهات المؤمنين .
وذلك كله قبل وقوع تلك الرزية الفادحة فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك ، فحقيق على كل من استن بسنته صلى الله عليه وآله وسلم صدقاً أن يبكي على ريحانته جيلاً بعد جيل ، وفينة بعد فينة مدى الدهر " . ( سيرتنا وسنتنا للشيخ الأميني ) .
راجع أخبار المآتم المتعددة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنه الحسين عليه السلام في كتاب ( سيرتنا وسنتنا ) .
7- قال السيد الديباجي : " وقد ورد في الأخبـار عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمـة الأطهـار عليهم السلام أنـه يستحب في تسلية المصاب أن يظهروا عند صاحب المصيبة الحزن والكآبة ، حيث أن ذلك من السنة المؤكدة .
فكيف إذا أردنا أن نسلي صاحب الرسالـة صلى الله عليه وآله وهو شاهد علينا بنص القرآن ، ونعزيه في مصاب قرة عينه وفلذة كبده في مصابه الجَلَل التي ما أتت مصيبة كمثلها من أول الدنيا ولا تأتي إلى آخر الدهر ، وهي مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتهـا في الإسـلام وفي السماوات والأرض " . ( رسالة عقائدية للسيد الديباجي ) .
8- أورد الشيخ محمد جواد مغنية في ( الشيعة في الميزان ) كلمة قيمة للسيد محسن الأمين العاملي رحمهما الله حيث قال :
" أما الحسين فقدم نفسه ، وأبناءه ، حتى ولده الرضيع ، وقدم إخوته ، وأبناء أخيه وأبناء عمه ، قدمهم جميعاً للقتل ، وقدم أمواله للنهب ، وعياله للأسر ، ليفدي دين جده .
إن الحسين معظم ، حتى عند الخوارج أعداء أبيه ، فإنهم يقيمون له مراسم الذكرى والحزن يوم عاشوراء في كل عام . ولو أنصف المسلمون ما عدوا طريقة الشيعة في إقامـة الذكرى لسيـد الشهداء . فهل كان الحسين دون جان دارك التي يقيم لها الفرنسيون الذكرى في كل عـام ؟. وهل عملت جان دارك لفرنسا ما عمله الحسـين لأمـة جـده ؟. فلقد سن لهم نهج الحريـة والاستقلال ، ومقاومة الظلم ، ومعاندة الجور ، وطلب العز ، ونبذ الجور ، وعدم المبالاة بالموت في سبيل الغايات السامية .
هذا ، إلى ما يرجوه المسلم من الثواب يوم الحساب على الحزن والبكاء لقتل الحسين ، فلقد نعاه جده لأصحابه ، وبكى لقتله قبل وقوعه ، وبكى معه أصحابه ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فيما رواه الماوردي الشافعي في ( أعلام النبوة ) . وقد حث أئمة أهل البيت الطاهر شيعتهم وأتباعهم على البكاء وإقامة الذكرى والعزاء لهذه الفاجعة الأليمة في كل عام ، وهم نعم القدوة ، وخير من اتبع ، وأفضل من اقتفي أثره ، وأخذت منه سنة رسول الله ، لأنهم أحد الثقلين ، وباب حطـة الذي من دخله كان آمناً ، ومفتاح باب مدينة العلم الذي لا يؤتى إلا منه " .
وقال الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله :
"إننا في المأتم الحسيني نسمع تصويراً تاريخياً لفاجعة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، قتل فيها أشخاص مقدسون، وارتفعوا إلى أعلى المراتب الإنسانية بذلاً وتضحية وفداء في عملية عطاء محض، وقتل فيها أطفال ونساء، عطاشى غرباء متوحدين، وحملت رؤوسهم، وسبيت نساؤهم، كل هذا ليس من أجل أشخاصهم وإنما من أجل أمتهم وعقيدتهم، أمتهم التي نحن منها، وعقيدتهم التي نعتنقها ـ فمن حقنا ـ كبشر أسوياء أن نحزن، وان نعجب وان نشكو وقد يتعاظم بنا الحزن فنبكي دموع الحزن والإعجاب وعرفان الجميل" .
9- ختاماً ، قال الشيخ الأميني :
" تستجد المآتم بتجدد الأجيال ، وتبقى خالدة مع الأبد لا تبلى جدّتها ، ولا تنسى بمر الدهور ، وكرّ الملوين ، ما دام الإسلام يعلو ، واسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ، وسنته تتبع ، وأعلام الدين ترفرف ، وكتاب الله غير مهجور يتلى ، وفي لسانـه الناطق آية محكمة بودّ عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وذي قرباه ، وأجر الرسالة واجب محتم ، وحب الآل فريضة لا منتدح عنها ولا محيص ولا محيد ولا مهرب ، وحقوق محمد وآله صلوات الله عليه وعليهم لا تخص بجيل دون جيل ، وبفينة دون فينة ، وأجيال الأمة المسلمة فيها سواسية ، والحزن بالحسين الشهيد دائم سرمد ما دامت الجوانح بحبه معمورة ، والأضلاع بولائه مغمورة .
ومن واجب حملة الكتاب والسنة التأسي بنبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأسوة والقدوة ، وقد قضى صلى الله عليه وآله وسلم حياته كاسف البال ، خائر النفس ، حليف الشجى والأسى ، وما رؤي صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي ( بهامش الصفحة : أخرجه بهذا اللفظ الحافظ الكبير البيهقي في دلائل النبوة ، والنسخة موجودة عندنا ولله الحمد . وذكره جمع من الأعلام آخذين منه ) منذ رأى بني أمية ينزون على منبره كما تنزو القردة .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى من بكـاء الحسين السبط ، وقد جاء في الصحيـح فيما أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ( المعجم الكبير ) من طريق يزيد بن أبي زياد قال : خرج النبي صلى الله عليه من بيت عائشة رضي الله عنها فمر على بيت فاطمـة فسمع حسينـاً يبكي رضي الله عنه فقال : ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني .
تراه صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى من بكاء ريحانته فما ظنك به صلى الله عليه وآله وسلم إذا وجده قتيلاً بالقتل الذريع ، مرملاً بالدماء ، مجدلاً على الرمضاء ، مكبوبـاً على الثرى ، معفّر الخدين ، دامي الوريدين ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، سفّت الريح عليه السفا والعفا .
ما ظنك به صلى الله عليه وآله وسلم لما رآه مذبوحاً عطشاناً ظامياً وحيداً غريباً ، تفتت كبده من الظمأ ، ورضّت أعضاؤه بحوافر الخيول .
آه وألف آه ، يا أسفي عليه .
الجسم منه بكربلاء مضرّج والرأس منه على القناة يدار
يا لهفي عليه ، ويا لهفتاه ؟
سبي أهله كالعبيـد ، وصفدوا بالحديـد ، يساقون في الفلوات ، فوق أقتاب المطيـات ، تلفح وجوههم حرّ الهاجرات .
آه ، أسفي على بنات محمد .
أصواتها بحت وهنّ نوادب يندبن قتلاهنّ بالإيماء
فكما دام حزن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مدى حياته ، وكدّر صفو عيشه رزء ولده العزيز ، والأمـر بعد لم يقع ، كذلك حقيق علينا وعلى كل من صدّقه صلى الله عليه وآله وسلم وصدق في ولائه ، واستنّ بسننه ، أن يدوم توجعنا وتفجعنا بالمصاب الفادح ، ويكون البكاء والعويل على بضعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سرمداً إلى يوم القيامة … " .
عظمة البكاء على سيد الشهداء
ينظر البعض إلى البكاء نظرة سلبية قاتمة إذ يصور البكاء حاله مرضية تعبر عن اختلال في الشخصية لذا يلزم علاجها واستئصالها، وهناك من يذهب زاعماً أن البكاء حالة من الذل والانهزامية، ولا يتوسل به إلا الضعفاء وأما الأشداء فهم الذين يهيمنون على مآقيهم فيحبسونها عن أن تفيض دمعاً ويؤكدون وبضرس قاطع أن البكاء حكر على النساء أما الرجل فلا يبكي بل هو حرام عليه، هاتان النظرتان تتسمان بكثير من التطرف والبعد عن الواقع والإنصاف، لأنه قد ثبت علمياً في أن البكاء يدل على استواء الشخصية لا على مرضيّتها طالما كان البكاء لأمر ممدوح عقلاً وشرعاً وقد أودعت هذه الحالة في البشر بشكل واضح وجلي بل ونشاهدها حتى عند العجماوات أيضاً, وقد يصاب الإنسان بعقد خطيرة إذا ما حاول كبت ما في نفسه من حزن وألم، فالبكاء هو الوسيلة الناجعة في التنفيس والترويح عن النفس، لذلك نجد النساء أقل عقداً من الرجال لتمسكهن بهذه الوسيلة.
فالنظرة المعتدلة للبكاء هي في جعله حالة دالة على صحة وعافية نفسية خصوصاً فيما إذا وظف لأهداف سامية عليا، وبمراجعة الآيات القرآنية المباركة والأحاديث الشريفة سنقف على حقيقة هامة وهي أن البكاء كان سمة ظاهرة في حياة الأنبياء والأوصياء والمؤمنين يقول تعالى:[أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح من ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجداً وبكيا] .
وقال عز وجل:[ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً].
وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) : «بكاء العيون وخشية القلوب من رحمة الله تعالى ذكره، فإذا وجدتموها فاغتنموا الدعاء».
فالبكاء حالة سوية محبوبة وأما جفاف الدموع فهو مرض يلزم الإسراع في معالجته، قال الإمام الباقر (ع) :«ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب».
ولنتصفح حياة الأنبياء والمعصومين (ع) لنجد أن هذه الحالة ـ حالة البكاء ـ كانت من المعالم البارزة في حياتهم، فها هو آدم (ع) أبو البشر بكى على فراق الجنة حتى فتح الدمع في خديه أخدودين وكذلك يعقوب (ع) انتحب على فراق نجله يوسف حتى فقد بصره قال تعالى:[وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم].
ونرى النبي الأعظم (ص) وهو يبكي على ولده إبراهيم الذي توفي عن ثمانية عشر شهراً ـ فسئل عن ذلك: كيف يبكي وهو يأمرهم بالصبر على الملمات والأزمات فقال (ص): «العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب».
فالرسول (ص) وهو معلّم الإنسانية يعلم الناس كيف يكون الحزن وفي الوقت نفسه ينبغي التسليم للأمر الإلهي فلا للشكوى والتبرّم من قضاء الله وقدره وإلا خرج الإنسان عن حضيرة الإيمان.
ولنتأمل في بكاء الزهراء (ع) على والدها رسول الله (ص) بكت عليه حتى ماتت بغصتها وبكاء الزهراء (ع) كان يستبطن أسمى المعاني فهو بكاء حزن وتفجع وله بعد آخر وهو الإستنكار على من ظلمها و غصب حقها وحق بعلها (ع).
فإذا كرس البكاء لطاعة الباري تعالى فانه سيخرج عن حد الجواز إلى الإستحباب كالبكاء على المولى أبي عبد الله الحسين (ع) فإنه من أعظم الطاعات وأفضل القربات، والبكاء على الحسين (ع) صرخة مدوية تزلزل عروش الطغاة وتقض مضاجعهم، والموالي بعمله هذا يفصح عن ولائه العميق ويركز الرفض للظلم والعدوان ومن الألقاب الخاصة بالإمام الحسين (ع) لقب (قتيل العبرة)، فعن أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) قال: كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي (ع) فبكى أبو عبد الله وبكينا قال: ثم رفع رأسه فقال: قال الحسين بن علي (ع): «أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى»، ثم قال أبو عبد الله (ع): «نفس المهموم لظلمنا تسبيح وهمه لنا عبادة وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله».
فالمؤمن الذي تشده بالإمام الحسين (ع) وشائج الولاء ينفعل عند تذكر مصائب المولى الشهيد (ع) وهذه الإضافة (قتيل العبرة) تكشف عن مدى الترابط والتلاحم بين ذكر مقتله الشريف وبين البكاء عليه فالمؤمن لا يذكر مصائب الإمام الحسين (ع) إلا وتسيل عبرته وتنهمر دموعه تحرقاً وتفجعاً.
عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): قال: نظر النبي (ص) إلى الحسين (ع) وهو مقبل فأجلسه في حجره وقال: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً» ثم قال أبو جعفر: «بأبي قتيل كل عبرة قيل: وما قتيل كل عبرة يا ابن رسول الله؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى».
وقد وردت عن أهل البيت (ع) أحاديث جمة في الحث على البكاء وفي استحبابه على المولى الشهيد (ع) وبيان ما له من عظيم الأجر.
عن الإمام الباقر (ع) قال: كان أبي علي بن الحسين (ع) يقول: «أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) ومن معه حتى تسيل على خديه بوأه الله في جنة غرفا وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعاً حتى يسيل على خديه لأذىً مسّنا من عدونا بوأه الله مبوأ صدق وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل على خديه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عنه الأذى، وأمنه يوم القيامة من سخطه ومن النار».
وهم(ع) يجعلون الثواب نفسه للمتباكي وهو الذي قد استعصى عليه الدمع لأسباب معينة نفسية وغيرها فيحاول أن يتشبه بالباكي وذلك عبر الضرب على الجبهة أو بتنغيص عضلات الوجه مثلاً فالباكي والمتباكي في الثواب سواء لأنهما مشتركان في الهدف، في أنهما يعربان عن عشقهما ومواساتهما لأهل البيت (ع) ويعلنان براءتهما من أعدائهم وظالميهم.
قال الإمام الصادق (ع): «من تباكى فله الجنة».
وقال الإمام الصادق (ع) لأبي عمارة: « يا أبا عمارة أنشدني في الحسين بن علي عليهما السلام قال: فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى، قال: فوالله ما زلت أنشده فيبكي حتى سمعت البكاء من الدار فقال: يا أبا عمارة من انشد في الحسين بن علي (ع) شعراً فأبكى خمسين فله الجنة ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً فله الجنة ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فتباكى فله الجنة».
وقال الشيخ هادي كاشف الغطاء مشيراً إلى البكاء والتباكي وما لهما من الفضل عند الباري تعالى في مقبولته الحسينية:
فابك دماً على قتيل الـــعبرة *** والسيد السبط شهيد الــعترة
عـبرة كــــل مؤمـــن ومتقي *** فمـــا بـكى باك عليه فشقــي
وان يفتك أن تـــــكون بـاكي *** فـــلا يفــتك الأجــر بــالتباكي
فــعنهم لمـــن تباكى يـــروى *** جنــة عــدن هـي نعم المأوى
مع تحياتي:
س: لماذا يبكي الشيعـة على مصـاب الحسـين ويجـددوا ذكـراه ويذكـرون الواقـعـة كـل عـام ؟؟
ج: شاء الله عز وجل أن يبقى مصاب الحسين عليه السلام في قلوب الشيعة .. يذكرونه ويبكون ألماً لما جرى عليه وأهله وأصحابه منذ وقوع واقعة كربلاء عام 61 هـ ، وستبقى حرارتها لا تزول أبداً .
وفيما يلي بعض النقاط المهمة رداً على الشبهة أعلاه :
1- عندما يتذكر المسلم ما جرى في ذلك اليوم من مصائب على ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من عطش الحسين عليه السلام وأهله وأصحابه ، ورؤية الحسين لأهله وأحبائه صرعى أمامه وبقائه وحيداً ، وذبْح الحسين كما يُذبح الكبش وهو سبط النبي وريحانته وسيد شباب أهل الجنة ..
ورفع رأس الحسين ورؤوس القتلى على الرماح .. وحرق الخيام وإيذاء النساء والأطفال وسبيهم وكأنهم ليسوا ذرية رسول الله ..
عندما يتذكر المؤمنون كل ذلك ، فإنه من الطبيعي أن ينبعث من قلوبهم ما لا يتمالكون أنفسهم .. فتحترق قلوبهم ألماً وتسيل دموعهم حزناً على هذا المصاب الجليل الذي لم يشهد التاريخ مثله ..
2- إن الشيعة عندما يظهرون العزاء ويجددون هذه الفجيعة ، فإنهم أيضاً يتعلمون منها دروساً جمة ..
فمن كربلاء تعلمنا إباء الضيم والظلم ، والشهامة والشجاعة ، وحرية الرأي والفكر ، والتنفر من الأخلاق الدنيئة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوقوف مع الحق والتضحية بكل شيء من أجله ، والإيثار ... وغيرها من الدروس والعبر .
3- البكاء على الإمام الحسين وتجديد مصابه يعتبر نوع من التأييد لنهضته والإقرار بهدفه . يقول الإمام الخميني رحمه الله "إن البكاء على الشهيد يُعدُ إبقاءً على اتقاد جذوة الثورة وتأججها، وما ورد في الروايات من أن من بكى أو تباكى أو تظاهر بالحزن فأن أجره الجنة، إنما يفسر بكون هذا الشخص يساهم في صيانة نهضة الإمام الحسين عليه السلام" .
4- قال تعالى " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " .
إن من أبرز مصاديق مودة قربى النبي هو البكاء والحزن على ما أصابهم من ظلم وغدر وأذى .
5- حث رسول الله والأئمة المعصومين على البكاء على الحسين وإحياء أمره ومصيبته ، والروايات في ذلك كثيرة جداً ، منها :
ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت على مصاب الحسين ، فإنها ضاحكة مستبشرة " ( الاثنى عشرية في الرد على الصوفية ، للشيخ الحر العاملي ) .
وروي عن الإمام الرضا عليه السلام " يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش " ( أمالي الصدوق ) .
وروي عنه أيضاً " إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذل عزيزنا بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فإن البكاء عليه يحط الذنوب العظام " ( أمالي الصدوق ) .
وكان الأئمة من بعد الحسين ، ينتهزون الفرص ويستغلون المواقف لإحياء ذكراه ، نذكر من ذلك موقفين :
أ-سمع الإمام السجاد عليه السلام ذات يوم رجلاً ينادي " أيها الناس ارحموني أنا رجل غريب " في السوق .
فتوجه إليه الإمام السجاد وقال له : " لو قدر لك أن تموت في هذه البلدة ، فهل تبقى بلا دفن ؟! "
فقال ذلك الرجل الغريب : " الله أكبر ، كيف أبقى بلا دفن ، وأنا رجل مسلم وبين ظهراني أمة مسلمة " .
فبكى الإمام السجاد وقال : " وا أسفاه عليك يا أبتاه ! تبقى ثلاثة أيام بلا دفن وأنت ابن بنت رسول الله "( مأساة الحسين ، للشيخ عبد الوهاب الكاشي ) .
ب-لما أمر المنصور الدوانيقي عامله على المدينـة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق عليه السلام داره ، فجاءوا بالحطب الجزل ووضعوه على باب أبي عبد الله الصادق ، وأضرموا فيه النـار . فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحن العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهن . فخرج الإمام الصادق وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النـار ويطفئ الحريـق حتى قضى عليها فلما كان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلونه فوجدوه حزيناً باكياً .
فقالوا : " مما هذا التأثر والبكاء أمن جرأة القوم عليكم أهل البيت وليس منهم بأول مرة ؟ " .
فقال الإمام الصادق عليه السلام : "لا … ولكن لما أخذت النار ما في الدهليز نظرت إلى نسائي وبناتي يتراكضن في صحن الدار من حجرة إلى حجرة ومن مكان إلى هذا وأنا معهن في الدار ، فتذكرت روعة عيال جدي الحسين عليه السلام يوم عاشـوراء لما هجم القوم عليهن ومناديهم ينادي أحرقوا بيوت الظالمين " . ( مأساة الحسين للشيخ عبد الوهاب الكاشاني ) .
6- روت كتب السنة والشيعة ، أن رسول الله بكى على الحسين وهو طفل صغير ، وقد تكرر هذا البكاء والتنبؤ بالمصيبة في مواقف متعددة ..
فإذا كان صاحب الرسالة قد بكى على الحسين مراراً وتكراراً ..
فكيف لا نواسيه نحن – التابعين لرسالته – في مصيبته ونشاركه في أحزانه ؟
ولماذا لا نتأسى برسول الله في البكاء على الحسين ؟!!
قال الشيخ الأميني ( رحمه الله ) :
" ورزية أبكت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته ، وأبكت أمهات المؤمنين والصحابـة الأولين ونغصت عيش رسول الله فتراه صلى الله عليه وآله وسلم تارة يأخـذ حسيناً ويضمّه إلى صدره ويخرجه إلى صحابته كاسف البال وينعاهم بقتله ، وأخرى يأخذ تربته بيده ويشمّها ويقبلها ويأتي بها إلى المسجـد مجتمع أصحابـه وعينـاه تفيضان ، ويقيم مأتماً وراء مأتم في بيوت أمهات المؤمنين .
وذلك كله قبل وقوع تلك الرزية الفادحة فكيف به صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك ، فحقيق على كل من استن بسنته صلى الله عليه وآله وسلم صدقاً أن يبكي على ريحانته جيلاً بعد جيل ، وفينة بعد فينة مدى الدهر " . ( سيرتنا وسنتنا للشيخ الأميني ) .
راجع أخبار المآتم المتعددة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابنه الحسين عليه السلام في كتاب ( سيرتنا وسنتنا ) .
7- قال السيد الديباجي : " وقد ورد في الأخبـار عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمـة الأطهـار عليهم السلام أنـه يستحب في تسلية المصاب أن يظهروا عند صاحب المصيبة الحزن والكآبة ، حيث أن ذلك من السنة المؤكدة .
فكيف إذا أردنا أن نسلي صاحب الرسالـة صلى الله عليه وآله وهو شاهد علينا بنص القرآن ، ونعزيه في مصاب قرة عينه وفلذة كبده في مصابه الجَلَل التي ما أتت مصيبة كمثلها من أول الدنيا ولا تأتي إلى آخر الدهر ، وهي مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتهـا في الإسـلام وفي السماوات والأرض " . ( رسالة عقائدية للسيد الديباجي ) .
8- أورد الشيخ محمد جواد مغنية في ( الشيعة في الميزان ) كلمة قيمة للسيد محسن الأمين العاملي رحمهما الله حيث قال :
" أما الحسين فقدم نفسه ، وأبناءه ، حتى ولده الرضيع ، وقدم إخوته ، وأبناء أخيه وأبناء عمه ، قدمهم جميعاً للقتل ، وقدم أمواله للنهب ، وعياله للأسر ، ليفدي دين جده .
إن الحسين معظم ، حتى عند الخوارج أعداء أبيه ، فإنهم يقيمون له مراسم الذكرى والحزن يوم عاشوراء في كل عام . ولو أنصف المسلمون ما عدوا طريقة الشيعة في إقامـة الذكرى لسيـد الشهداء . فهل كان الحسين دون جان دارك التي يقيم لها الفرنسيون الذكرى في كل عـام ؟. وهل عملت جان دارك لفرنسا ما عمله الحسـين لأمـة جـده ؟. فلقد سن لهم نهج الحريـة والاستقلال ، ومقاومة الظلم ، ومعاندة الجور ، وطلب العز ، ونبذ الجور ، وعدم المبالاة بالموت في سبيل الغايات السامية .
هذا ، إلى ما يرجوه المسلم من الثواب يوم الحساب على الحزن والبكاء لقتل الحسين ، فلقد نعاه جده لأصحابه ، وبكى لقتله قبل وقوعه ، وبكى معه أصحابه ، وفيهم أبو بكر وعمر ، فيما رواه الماوردي الشافعي في ( أعلام النبوة ) . وقد حث أئمة أهل البيت الطاهر شيعتهم وأتباعهم على البكاء وإقامة الذكرى والعزاء لهذه الفاجعة الأليمة في كل عام ، وهم نعم القدوة ، وخير من اتبع ، وأفضل من اقتفي أثره ، وأخذت منه سنة رسول الله ، لأنهم أحد الثقلين ، وباب حطـة الذي من دخله كان آمناً ، ومفتاح باب مدينة العلم الذي لا يؤتى إلا منه " .
وقال الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمه الله :
"إننا في المأتم الحسيني نسمع تصويراً تاريخياً لفاجعة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، قتل فيها أشخاص مقدسون، وارتفعوا إلى أعلى المراتب الإنسانية بذلاً وتضحية وفداء في عملية عطاء محض، وقتل فيها أطفال ونساء، عطاشى غرباء متوحدين، وحملت رؤوسهم، وسبيت نساؤهم، كل هذا ليس من أجل أشخاصهم وإنما من أجل أمتهم وعقيدتهم، أمتهم التي نحن منها، وعقيدتهم التي نعتنقها ـ فمن حقنا ـ كبشر أسوياء أن نحزن، وان نعجب وان نشكو وقد يتعاظم بنا الحزن فنبكي دموع الحزن والإعجاب وعرفان الجميل" .
9- ختاماً ، قال الشيخ الأميني :
" تستجد المآتم بتجدد الأجيال ، وتبقى خالدة مع الأبد لا تبلى جدّتها ، ولا تنسى بمر الدهور ، وكرّ الملوين ، ما دام الإسلام يعلو ، واسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ، وسنته تتبع ، وأعلام الدين ترفرف ، وكتاب الله غير مهجور يتلى ، وفي لسانـه الناطق آية محكمة بودّ عترة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وذي قرباه ، وأجر الرسالة واجب محتم ، وحب الآل فريضة لا منتدح عنها ولا محيص ولا محيد ولا مهرب ، وحقوق محمد وآله صلوات الله عليه وعليهم لا تخص بجيل دون جيل ، وبفينة دون فينة ، وأجيال الأمة المسلمة فيها سواسية ، والحزن بالحسين الشهيد دائم سرمد ما دامت الجوانح بحبه معمورة ، والأضلاع بولائه مغمورة .
ومن واجب حملة الكتاب والسنة التأسي بنبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأسوة والقدوة ، وقد قضى صلى الله عليه وآله وسلم حياته كاسف البال ، خائر النفس ، حليف الشجى والأسى ، وما رؤي صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى توفي ( بهامش الصفحة : أخرجه بهذا اللفظ الحافظ الكبير البيهقي في دلائل النبوة ، والنسخة موجودة عندنا ولله الحمد . وذكره جمع من الأعلام آخذين منه ) منذ رأى بني أمية ينزون على منبره كما تنزو القردة .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى من بكـاء الحسين السبط ، وقد جاء في الصحيـح فيما أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ( المعجم الكبير ) من طريق يزيد بن أبي زياد قال : خرج النبي صلى الله عليه من بيت عائشة رضي الله عنها فمر على بيت فاطمـة فسمع حسينـاً يبكي رضي الله عنه فقال : ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني .
تراه صلى الله عليه وآله وسلم يتأذى من بكاء ريحانته فما ظنك به صلى الله عليه وآله وسلم إذا وجده قتيلاً بالقتل الذريع ، مرملاً بالدماء ، مجدلاً على الرمضاء ، مكبوبـاً على الثرى ، معفّر الخدين ، دامي الوريدين ، محزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، سفّت الريح عليه السفا والعفا .
ما ظنك به صلى الله عليه وآله وسلم لما رآه مذبوحاً عطشاناً ظامياً وحيداً غريباً ، تفتت كبده من الظمأ ، ورضّت أعضاؤه بحوافر الخيول .
آه وألف آه ، يا أسفي عليه .
الجسم منه بكربلاء مضرّج والرأس منه على القناة يدار
يا لهفي عليه ، ويا لهفتاه ؟
سبي أهله كالعبيـد ، وصفدوا بالحديـد ، يساقون في الفلوات ، فوق أقتاب المطيـات ، تلفح وجوههم حرّ الهاجرات .
آه ، أسفي على بنات محمد .
أصواتها بحت وهنّ نوادب يندبن قتلاهنّ بالإيماء
فكما دام حزن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مدى حياته ، وكدّر صفو عيشه رزء ولده العزيز ، والأمـر بعد لم يقع ، كذلك حقيق علينا وعلى كل من صدّقه صلى الله عليه وآله وسلم وصدق في ولائه ، واستنّ بسننه ، أن يدوم توجعنا وتفجعنا بالمصاب الفادح ، ويكون البكاء والعويل على بضعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سرمداً إلى يوم القيامة … " .
عظمة البكاء على سيد الشهداء
ينظر البعض إلى البكاء نظرة سلبية قاتمة إذ يصور البكاء حاله مرضية تعبر عن اختلال في الشخصية لذا يلزم علاجها واستئصالها، وهناك من يذهب زاعماً أن البكاء حالة من الذل والانهزامية، ولا يتوسل به إلا الضعفاء وأما الأشداء فهم الذين يهيمنون على مآقيهم فيحبسونها عن أن تفيض دمعاً ويؤكدون وبضرس قاطع أن البكاء حكر على النساء أما الرجل فلا يبكي بل هو حرام عليه، هاتان النظرتان تتسمان بكثير من التطرف والبعد عن الواقع والإنصاف، لأنه قد ثبت علمياً في أن البكاء يدل على استواء الشخصية لا على مرضيّتها طالما كان البكاء لأمر ممدوح عقلاً وشرعاً وقد أودعت هذه الحالة في البشر بشكل واضح وجلي بل ونشاهدها حتى عند العجماوات أيضاً, وقد يصاب الإنسان بعقد خطيرة إذا ما حاول كبت ما في نفسه من حزن وألم، فالبكاء هو الوسيلة الناجعة في التنفيس والترويح عن النفس، لذلك نجد النساء أقل عقداً من الرجال لتمسكهن بهذه الوسيلة.
فالنظرة المعتدلة للبكاء هي في جعله حالة دالة على صحة وعافية نفسية خصوصاً فيما إذا وظف لأهداف سامية عليا، وبمراجعة الآيات القرآنية المباركة والأحاديث الشريفة سنقف على حقيقة هامة وهي أن البكاء كان سمة ظاهرة في حياة الأنبياء والأوصياء والمؤمنين يقول تعالى:[أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح من ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجداً وبكيا] .
وقال عز وجل:[ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً].
وعن الإمام أمير المؤمنين (ع) : «بكاء العيون وخشية القلوب من رحمة الله تعالى ذكره، فإذا وجدتموها فاغتنموا الدعاء».
فالبكاء حالة سوية محبوبة وأما جفاف الدموع فهو مرض يلزم الإسراع في معالجته، قال الإمام الباقر (ع) :«ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب».
ولنتصفح حياة الأنبياء والمعصومين (ع) لنجد أن هذه الحالة ـ حالة البكاء ـ كانت من المعالم البارزة في حياتهم، فها هو آدم (ع) أبو البشر بكى على فراق الجنة حتى فتح الدمع في خديه أخدودين وكذلك يعقوب (ع) انتحب على فراق نجله يوسف حتى فقد بصره قال تعالى:[وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم].
ونرى النبي الأعظم (ص) وهو يبكي على ولده إبراهيم الذي توفي عن ثمانية عشر شهراً ـ فسئل عن ذلك: كيف يبكي وهو يأمرهم بالصبر على الملمات والأزمات فقال (ص): «العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب».
فالرسول (ص) وهو معلّم الإنسانية يعلم الناس كيف يكون الحزن وفي الوقت نفسه ينبغي التسليم للأمر الإلهي فلا للشكوى والتبرّم من قضاء الله وقدره وإلا خرج الإنسان عن حضيرة الإيمان.
ولنتأمل في بكاء الزهراء (ع) على والدها رسول الله (ص) بكت عليه حتى ماتت بغصتها وبكاء الزهراء (ع) كان يستبطن أسمى المعاني فهو بكاء حزن وتفجع وله بعد آخر وهو الإستنكار على من ظلمها و غصب حقها وحق بعلها (ع).
فإذا كرس البكاء لطاعة الباري تعالى فانه سيخرج عن حد الجواز إلى الإستحباب كالبكاء على المولى أبي عبد الله الحسين (ع) فإنه من أعظم الطاعات وأفضل القربات، والبكاء على الحسين (ع) صرخة مدوية تزلزل عروش الطغاة وتقض مضاجعهم، والموالي بعمله هذا يفصح عن ولائه العميق ويركز الرفض للظلم والعدوان ومن الألقاب الخاصة بالإمام الحسين (ع) لقب (قتيل العبرة)، فعن أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) قال: كنا عنده فذكرنا الحسين بن علي (ع) فبكى أبو عبد الله وبكينا قال: ثم رفع رأسه فقال: قال الحسين بن علي (ع): «أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلا بكى»، ثم قال أبو عبد الله (ع): «نفس المهموم لظلمنا تسبيح وهمه لنا عبادة وكتمان سرّنا جهاد في سبيل الله».
فالمؤمن الذي تشده بالإمام الحسين (ع) وشائج الولاء ينفعل عند تذكر مصائب المولى الشهيد (ع) وهذه الإضافة (قتيل العبرة) تكشف عن مدى الترابط والتلاحم بين ذكر مقتله الشريف وبين البكاء عليه فالمؤمن لا يذكر مصائب الإمام الحسين (ع) إلا وتسيل عبرته وتنهمر دموعه تحرقاً وتفجعاً.
عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): قال: نظر النبي (ص) إلى الحسين (ع) وهو مقبل فأجلسه في حجره وقال: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً» ثم قال أبو جعفر: «بأبي قتيل كل عبرة قيل: وما قتيل كل عبرة يا ابن رسول الله؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى».
وقد وردت عن أهل البيت (ع) أحاديث جمة في الحث على البكاء وفي استحبابه على المولى الشهيد (ع) وبيان ما له من عظيم الأجر.
عن الإمام الباقر (ع) قال: كان أبي علي بن الحسين (ع) يقول: «أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين (ع) ومن معه حتى تسيل على خديه بوأه الله في جنة غرفا وأيما مؤمن دمعت عيناه دمعاً حتى يسيل على خديه لأذىً مسّنا من عدونا بوأه الله مبوأ صدق وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى يسيل على خديه من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله عنه الأذى، وأمنه يوم القيامة من سخطه ومن النار».
وهم(ع) يجعلون الثواب نفسه للمتباكي وهو الذي قد استعصى عليه الدمع لأسباب معينة نفسية وغيرها فيحاول أن يتشبه بالباكي وذلك عبر الضرب على الجبهة أو بتنغيص عضلات الوجه مثلاً فالباكي والمتباكي في الثواب سواء لأنهما مشتركان في الهدف، في أنهما يعربان عن عشقهما ومواساتهما لأهل البيت (ع) ويعلنان براءتهما من أعدائهم وظالميهم.
قال الإمام الصادق (ع): «من تباكى فله الجنة».
وقال الإمام الصادق (ع) لأبي عمارة: « يا أبا عمارة أنشدني في الحسين بن علي عليهما السلام قال: فأنشدته فبكى ثم أنشدته فبكى، قال: فوالله ما زلت أنشده فيبكي حتى سمعت البكاء من الدار فقال: يا أبا عمارة من انشد في الحسين بن علي (ع) شعراً فأبكى خمسين فله الجنة ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فأبكى عشرين فله الجنة، ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة ومن أنشد في الحسين شعراً فأبكى واحداً فله الجنة ومن أنشد في الحسين (ع) شعراً فتباكى فله الجنة».
وقال الشيخ هادي كاشف الغطاء مشيراً إلى البكاء والتباكي وما لهما من الفضل عند الباري تعالى في مقبولته الحسينية:
فابك دماً على قتيل الـــعبرة *** والسيد السبط شهيد الــعترة
عـبرة كــــل مؤمـــن ومتقي *** فمـــا بـكى باك عليه فشقــي
وان يفتك أن تـــــكون بـاكي *** فـــلا يفــتك الأجــر بــالتباكي
فــعنهم لمـــن تباكى يـــروى *** جنــة عــدن هـي نعم المأوى
مع تحياتي:
تعليق